إن محاولة قراءة تعابير وجه رئيس الولايات المتحدة ونغمة كلامه من أجل استيضاح ما إذا كانت زيارة الزعيم الفلسطيني لواشنطن حققت نجاحاً، أم أنها اخفقت كما نأمل بشكل خفي، هي مؤشر على أن أسلوب التعاطي الاسرائيلي مع الفلسطينيين لم يتغيّر جوهرياً. عندما يتعلق الأمر بزعيم يسعى الى السلام مثل أبو مازن من المشكوك فيه أن يكون معنى الاخفاق الفلسطيني في الولايات المتحدة انتصاراً للمصالح الاسرائيلية، فالأمر يتعلق بأمور متداخلة. أبو مازن يسعى الى إيقاف العنف وإجراء انتخابات شرعية للبرلمان الفلسطيني تؤدي الى الدفع قدماً عملية إقامة الدولة الفلسطينية الديموقراطية المحبة للسلام. من نافل القول الاشارة الى أن هذه أيضاً مصلحة اسرائيلية صرفة.

القيادة الاسرائيلية تفرج، لسبب ما، لكل مؤشر يبشر بإرجاء اقامة الدولة الفلسطينية الى جانب اسرائيل، الافتراض هو أن الأميركيين مشغولون جداً بما لا يسمح لهم بالتركيز على ذلك ولأنه موجود على جدول أعمالهم مسائل أكثر سخونة مثل العراق وسوريا.

فرداً على سؤال طرح حول الجدول الزمني لاقامة الدولة الفلسطينية، أجاب جورج بوش بعبارة شبه دينية: "أنا أؤمن بإمكانية الوصول الى دولتين ديموقراطيتين تعيشان الى جانب بعضهما بعضاً بسلام. ولكنني لا أستطيع أن أقول متى سيحدث ذلك". لاحقاً قال انه من الممكن أن لا يحدث ذلك بتاتاً خلال ولايته كرئيس، حتى وإن كانت هذه العبارة تهدف الضغط على الفلسطينيين لتجريد الفصائل المسلحة من سلاحها بسرعة حتى يتمكنوا من التقدم في مسار خارطة الطريق، إلا أنه من المشكوك فيه أن يؤدي تخفيض التوقعات الى النهج المطلوب. كل تأجيل يعني تكريس حالة القتال الفلسطيني ضد تواصل الاحتلال ونظام الحواجز. وعدم القدرة على ترسيم حدود قابلة للحماية وبروز جيل جديد من الكراهية التي يكنها الواقع تحت الاحتلال للمحتل. ليس هناك أي سبب يدعو اسرائيل لتشجيع تأجيل التقسيم المتفق عليه الى دولتين خصوصاً بعد أن نفذت الخطوة الأولى من الخطة في غزة، ولن يكون هناك جدوى في استمرار التأجيل لأجيال أو حتى لبضع سنوات.

نجح أبو مازن خلال زيارته في الحصول على موافقة أميركية على مشاركة حماس في الانتخابات. أي أن اسرائيل ستضطر لضبط نفسها والامتناع عن عرقلة العملية الانتخابية السليمة على أمل أنه بعد انتخاب برلمان يعتبره الفلسطينيون شرعياً وممثلاً لكل الآراء والتيارات في المجتمع، سيتمكن أبو مازن من نزع سلاح حماس بوسيلة غير عنيفة وأن تتحول حماس تدريجياً الي حزب سياسي. التطلع الاسرائيلي الى اخراج حماس من اللعبة السياسية لا يتماشى مع الواقع على ما يبدو. التطلع الفظ لاسرائيل في الانتخابات الفلسطينية كعقوبة لإشراك حماس فيها لن يؤدي إلا الى إضعاف أبو مازن أكثر فأكثر.

يبدو أن موقف الأميركيين واضح على الأقل في هذه القضية. لا يجب اعتبار مشاركة حماس في الانتخابات تنازل عن مطلب ايقاف الارهاب، وإنما محاولة للوصول الى نفس النتيجة بطريقة مختلفة. من الواضح لأبو مازن أيضاً أن أي عملية سياسية لا يمكن أن تتم تحت النار، وهو ينوي التوصل الى الهدوء بطريقة ديموقراطية تستحق الثقة والدعم على الأقل لفترة محدودة. دور اسرائيل في هذه المرحلة هو أن لا تعرقل ذلك.

مصادر
هآرتس (الدولة العبرية)