أحدث «تقرير ميليس» حول اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري صدمة في الشارع السوري الذي لم يستفق بعد من صدمة انتحار وزير الداخلية غازي كنعان، ولكن المراقب العادي لا يلحظ تأثيرات هذه الصدمة بسهولة، فالحياة تسير كما هو المعتاد والازدحام في الأسواق الرمضانية يبدو كما هو، غير أن التجار يقولون كلاماً آخر يختلف عن المظهر الخادع للحركة النشطة للأسواق السورية.

فالمخاوف التي رافقت تحقيقات ميليس تحولت إلى حالة يقينية لدى قطاعات واسعة من المواطنين السوريين، وخصوصاً لجهة استغلال الولايات المتحدة هذا التقرير لفرض عقوبات سياسية واقتصادية، وربما غير ذلك على سوريا.

ورغم أن قطاعاً واسعاً من المحللين يرى أن تسييس تقرير ميليس حصل فعلاً وان المخاوف التي كان يُخشى منها وقعت، يرى بعض الكتاب والمحسوبين على المعارضة أن لا فائدة من اتهام ميليس بالتحيز، أو رفض التقرير بل لابد من اتخاذ مواقف جريئة وكبيرة بحجم التهديدات التي تتعرض لها البلاد، وإلا سيجد النظام نفسه محاصراً أكثر فأكثر، وبالتالي ستكون فرصه للصمود أقل بكثير فيما لو التفت إلى الداخل، وبدأ عمل عملية الإصلاح السياسي الحقيقية الكفيلة وحدها بتصليب موقفه والصمود في وجه العاصفة.

ولكن شريحة من المراقبين ترى أن النظام لم يفقد جميع أوراقه في معركة «الشرق الأوسط الكبير»، فمازال لديه ورقة الاستقرار الداخلي الذي يؤمن بدوره استقرار المنطقة بأسرها، وهي قضية مصيرية بالنسبة لدول الجوار وخصوصاً تركيا والعراق وحتى إسرائيل.

ويرى أصحاب وجهة النظر هذه أن أي حالة فوضى يمكن أن تنشأ نتيجة شن حرب، أو توجيه ضربات أميركية إلى سوريا، أو أي تهديد من شأنه أن يزعزع النظام سوف تكون مفاعيله مدمرة على مجمل دول المنطقة. فعناصر حزب العمال الكردستاني سوف يعيدون شن هجماتهم على تركيا من الأراضي السورية، وفي حال استحكام الفوضى ستصبح البلاد مركزاً لتجمع الأصوليين الجهاديين من مختلف أنحاء العالمين العربي والإسلامي بحيث يشكلون مصدر توتر ليس على الدول المجاورة فحسب بل على العالم بأسره.

ويرى أصحاب وجهة النظر هذه أن سقوط النظام السوري نتيجة الضغوط الأميركية يعني تسليم البلاد للقوى الأصولية بكل ما يعنيه ذلك من مخاطر على مصالح جميع دول المنطقة. ولذلك يستبعد أنصار هذا الرأي حدوث تغييرات دراماتيكية تطال النظام السوري، مؤكدين أن الحديث عن صفقة وارد وأن النظام ما يزال يملك المبادرة والقدرة على المناورة.

وتعتقد النخبة السياسية السورية بأن لدى النظام من الذكاء والخبرات ما يؤهله لتجاوز هذه الأزمة، ولكن الكثيرين يحيلون التقصير الذي يميز الموقف السوري حيال التطورات المتسارعة إلى ضعف الإعلام الرسمي وعدم قدرته على تسويق وجهة النظر السورية، حتى أن مسؤولاً في الحكومة السورية تحدث عن أن ضعف الأداء الإعلامي لايقل في تأثيره السلبي على مواقف سوريا من تأثير الإعلام المعادي.

وتسود الآن في أوساط النخبة السياسية والإعلامية وجهة نظر تتحدث عن ضرورة التريث في إبداء ردود الفعل حيال ما يعصف بالبلاد من عواصف سياسية، وانتظار اتضاح حقيقة الاتهامات، وما إذا كانت مقرونة بوقائع دامغة أم أنها مجرد أقوال شهود مجهولين أو فاقدي المصداقية، وعند ذلك يمكن اتخاذ القرار البارد المستند إلى الوقائع وليس إلى الأقوال والشائعات.

الجميع في سوريا اليوم يدركون حجم التحديات التي تواجه مستقبل البلاد، وثمة اتفاق ضمني على ضرورة التحلي بأقصى درجات الحذر والتمتع بالمسؤولية قبل اتخاذ أي قرار من شأنه أن يرسم مصير البلاد.

مصادر
البيان (الإمارات العربية المتحدة)