علي سياق الحروب الاستباقية تسعفنا المقدرة الثقافية أو ربما السياسية على رسم مساحات من "الإجراءات الاستباقية"، والمرسومة أحيانا على مساحات من ذاكرة الماضي عندما كان المد الجماهيري يرتسم أفقا لشعوب ومجتمعات غاضبة لكنها عاجزة عن مقاومة الضغوط.

ما الذي حصل خلال الأعوام الماضية؟!! على المستوى الدولي برزت الحرب الاستباقية كاستراتيجية شقت في البداية العالم حتى أن الولايات المتحدة اعتبرت أوروبا "هرمة" .. والنتيجة احتلال العراق واختلاف الموازين الإقليمية، وما تزال الصيغة الجديدة كون التشكيل مع مخاطر فعلية بالتبدل حتى على مستوى الخريطة الجغرافية لدول المنطقة. وهذا الزلزال "الجيوستراتيجي" يشبه إلى حد بعيد اقتسام "الدولة العثمانية" وظهور الدولة الإقليمية في الشرق الأوسط.

في المقابل على المستوى الاجتماعي والشعبي شهدنا الاحتجاجات والمظاهرات والتحليل والتفنيد للمزاعم الدولية، سواء حول أسلحة الدمار الشمال العراقية أو الإرهاب أو .... قضية اغتيال الحريري .. وشهدنا أيضا مؤتمرات وقمم وانحسار للصراعات القديمة نحو سلم مع "إسرائيل" وتصاعد للرغبة في النزاعات "الطائفية" و "العشائرية" ورغبات في العودة إلى زمن ملوك الطوائف ... ما قدمته الحرب الاستباقية إلينا على المستوى الثقافي ليس "الفوضى البناءة" فقط، بل أيضا عشوائية الاختيار ولا مسؤولية المواقف مع العودة مجددا إلى احتكار الحق ولكن بحجة "الليبرالية" وليس بناء على عقائد وإيديولوجيات شمولية ...

وما قدمته الحرب الاستباقية أيضا على المستوى الإعلامي مذهب "التقارير الاستباقية" والسيناريوهات الاستباقية" التي لا تبعث على الأسى بل على الافتراق والتشاؤم رغم أنها لا تخرج من دائرة الافتراضات.

في تجربة ميلس صورة واضحة لحربنا الاستباقية التي مارسناها على طريقة الصراع في الأندلس أو على أسلوب القتال داخل الحارات بين "أنصار القلعة" وجيش "الوالي" ... فلم تكن هناك سوى صورة واحدة لهذه الحرب على قياس ثقافة لم تستطع الهروب من تراثها أو حتى من ترانيم الماضي الباقية في ذاكرة المجتمع.