لم يكن الأمر يحتاج لأكثر من بضع ساعات عشية العيد الأول لإعادة الدولاب إلى الوراء. فالعملية في مفترق غوش عتسيون، أعادت دفعة واحدة الإسرائيليين والفلسطينيين في المنطقة إلى الحياة التي كانوا يعيشونها قبل بضعة أشهر ـ حياة بدا أن الطرفين يرغبان في نسيانها. وبرز هنا تجسيد آخر لحقيقة ان فك الارتباط غير أقل مما نميل إلى الاعتقاد: فلم يكتشف أحد الدولاب من جديد. البادرات الطيبة نحو الفلسطينيين، والتي سوقتها إسرائيل على نحو واسع في العالم بقدر يتجاوز قيمتها الحقيقية، دخلت مرة أخرى في تجميد العميق.

ومع ان فتح سارعت إلى تبني المسؤولية عن العملية، فسرعان ما كثرت المؤشرات التي تدخل بالذات على حماس، طريقة العمل ذكرت بالعملية الفتاكة قبل ذلك في جنوب الضفة، في حزيران من هذا العام.

ومن المعقول الافتراض بأن ذات الشبكة مسؤولة عن العمليتين، أغلب الظن خلية محلية لحماس، ومثل الشبكات الاقليمية الأخرى للحركة، تبدو واضحة مميزات تفكير مشابهة. الخلايا تحرص على السرية التامة، تمتنع عن تبني العمليات وتعمل فقط مرة كل بضعة أشهر، على فرض أنها بذلك لا تترك أثراً واضحاً بحيث تتيح القاء القبض عليها. في مثل هذا الوضع، فان جهاز الشاباك ينبغي أن يأمل ببعض الحظ أو بخطأ يرتكبه احد أعضاءالخلية بحيث يمكن اعتقال رجالها، طريقة العمل هذه مريحة سياسياً لحماس أيضاً. بدون تبني المسؤولية، لا يوجد صدام مباشر مع السلطة ولا يوجد تعزيز لحملة إسرائيلية ضد مشاركة الحركة في الانتخابات للبرلمان الفلسطيني بحجة أن الحركة لا تزال ارهابية، وفي المقابل، يعرفون في المحيط القريب لرجال السلطة بمسؤولية حماس عن العملية وهكذا ترتفع مكانة الحركة. حماس يمكنها في هذه الأثناء أن تتمتع من جميع النواحي.

ويستند استخدام هذه الطريقة إلى حقيقة أن قتل مستوطنين وجنود في مناطق الضفة لا يزال يقف في قلب الاجماع الفلسطيني. وأكثر مما كان كبار مسؤولي قيادة المنطقة الوسطى قلقين هذا الاسبوع من الخلية في الخليل، خشوا من الذين سيسعون إلى تكرار النجاح. في الضفة يوجد 1500 كيلومتر من الطرق وأكثر من 100 محطة انتظار. لا يوجد أي امكانية لتوفير حراسة دائمة في كل نقطة. وعندما حاول الجيش الاسرائيلي عمل ذلك في بداية الانتفاضة الحالية، كاد ينهار تحت العبء، ومع ذلك لم يتقدم في منع العمليات على الطرق، قوة هذه العمليات لم تضعف الا بعد احتلال مدن الضفة في حملة "السور الواقي"، والتفوق الاساس للجيش الاسرائيلي اليوم هو تفوق استخباري. فالمعلومات التي يوفرها الشاباك تسمح بشكل عام بكشف سريع نسبياً لخلايا اطلاق النار، ومع ذلك، فان خلية حذرة ومصممة يمكنها ان تعود لتضرب اذا ما حرصت على مسافات زمنية طويلة بين عملياتها.

في محاولة لتقليص الأضرار، عاد وتوجه هذا الاسبوع قائد المنطقة الوسطى، يئير نفيه، إلى كبار مسؤولي مجلس يهودا والسامرة بطلب للتأثير على المستوطنين لابداء مزيد من الحذر. هذا الاسبوع، على أي حال، واصل الجيش الاسرائيلي حملة تحصين محطات الانتظار في الضفة، ويحاول قائد المنطقة الوسطى حث حل آخر، تبناه كقائد قوات الجيش الاسرائيلي في قطاع غزة في السنة الأولى من المواجهة ـ "فصل حركتي السير".

والمقصود هو خلق شبكتين منفصلتين من الطرق، واحدة للاسرائيليين وواحدة للفلسطينيين انطلاقا من الافتراض بأنه بهذا لا يتم فقط تقليص خطر العمليات بل وتقليص الاحتكاك بين الجنود والسكان المحتلين، ويبدو ان هذه الخطوة ليست متاحة إلا في جنوب الضفة، ولزمن محدود، وذلك أيضاً لأن الحديث يدور عن أعمال بنية تحتية واسعة بكلفة عالية ولان "فصل حركتي السير" يثير تداعيات فورية عن الابرتهايد. وستجد حكومة شارون صعوبة في تبرير مثل هذه الخطوة في الساحة الدولية.

في الجيش الاسرائيلي لم يتأثروا هذا الاسبوع من الاحاديث عن الانتفاضة الثالثة، من ناحية الجيش، الانتفاضة الثانية لم تذهب إلى اي مكان. الاسم الذي اختاره الجيش للمواجهة في الاسبوع الاول لها، "المد والجزر" يظهر في نظرة إلى الوزراء بأنه مناسب جدا، وهذه لا تزال فترة انتقالية، ولكن واضح ان المد قريب من النهاية والجزر متوقع عودته. في هذه المرحلة لا يدور الحديث عن مرحلة جديدة في المواجهة. وفي تقدير قيادة المنطقة الوسطى، فانه حتى الانتخابات للبرلمان الفلسطيني والمزمع عقدها في كانون الثاني القريب القادم، سيرتدي الصراع في المناطق الفلسطينية طابع العمليات في طرق الضفة، وربما بدمج هجمات على القوات العاملة حول جدار الفصل، أما بعد الانتخابات فستستأنف، من شبه المؤكد، الجهود للمس بالمستوطنات نفسها ومعها أيضاً عمليات انتحارية في الجبهة الخلفية الاسرائيلية. هذا التشخيص لم ينطبق على شبكات الجهاد الاسلامي في الضفة، التي تواصل توجيه رجالها إلى داخل نطاق الخط الأخضر دون صلة بالاعتبارات السياسية الداخلية والخارجية. وبالمقارنة مع العنف في الضفة، فان البلدات الاسرائيلية حول القطاع تتمتع بهدوء نسبي، ولكن هذا الهدوء أيضا يبدو في هذه اللحظة من غير المؤكد. أحد القوانين غير المكتوبة للسياسة الفلسطينية يعتقد أن الاضطراب الداخلي نهايته الانفجار في عنف ضد اسرائيل. والردع الاسرائيلي في القطاع، والذي تحقق في موجة القصف والتصفيات قبل شهر ردا على قصف سديروت، يعود نجاحه اساسا اغلب الظن إلى الخطأ الكبير من حماس.

وعندما يسأل رئيس الاركان، دان حلوتس، عن التغيرات في الجانب الفلسطيني، فانه درج على القول بأن اسرائيل تنتظر ذلك عبثا منذ 57 سنة، وكان بوسع حلوتس ان يجد الاسبوع الماضي تعزيزا لموقفه في تقرير نشره مصدر امني كبير عن لقاء مع المنسق الامني الاميركي في المنطقة، الجنرال وليام وورد. الجنرال الذي سيغادر المنطقة قريبا، اعتبر في اسرائيل كمؤيد للفلسطينيين. وفي ضوء الاحداث الاخيرة حتى وورد، كما قيل، اضطر الى ان يقر بأسف بأنه لا يوجد شريك حقيقي في الجانب الفلسطيني. ومن سارع إلى التباهي بتشخيص وورد، الذي ينضم إلى رأي وسطاء اميركيين سابقين مثل الجنرال انتوني زيني، والجنرال جون وولف، ينسى ان ليس في هذا مواساة كبرى من ناحية اسرائيل. نهج لعبة "مجموع الصفر" قد تكون مناسبة، بالكاد، لعهد عرفات. ولكن اذا كان وورد محقا، فان السؤال الذي يبقى مفتوحاً هو "ماذا ينبغي عمله الآن"؟

مصادر
هآرتس (الدولة العبرية)