في تعاملها مع تقرير اللجنة الدولية للتحقيق في مقتل الحريري تروي “الايكونومست” بتصرف طرفة عن عقرب طلب ان ينقله ضفدع الى الضفة الاخرى من النهر. قال الضفدع “ولكنك سوف تلسعني، فأجاب العقرب اذا لسعتك سوف أغرق معك”. اقتنع الضفدع. وفي الطريق لم يتمالك العقرب نفسه فلسعه، وطبعا فقد الضفدع توازنه وبدأ يغرق مع راكبه متسائلا: ولكن لماذا؟ ها نحن نغرق سوية؟ فأجاب العقرب: إنه الشرق الأوسط. والمغزى العنصري واضح: لا تبحث عن منطق مصالح في هذه المنطقة. فسوريا تدعي انه ليس من مصلحتها أن تقتل الحريري، وهذا محض هراء لأنه في منطقة الشرق الأوسط لا جدوى من محاكمة الأمور بمنظار المصلحة. (ايكونوميست، 21 اكتوبر/ تشرين الاول جلوبال اجندا).

قيل الكثير حول موضوع المحاكمة من ناحية مصلحة سوريا في قتل الحريري، فكانت الاجابة انه قد لا يعرف نظامٌ مصلحته. والحديث هو عن نظام متهم عادة من قبل مناوئيه بالتصرف ببراغماتية نابعة من مصلحته فحسب. حسنا، لا بأس. لا يعرف النظام مصلحته ولكن الحريري نفذ ما يريد النظام عند التمديد للحود، اذًا هو ليس بحاجة ان يقتله حتى لو لم يعرف مصلحته، لأنه ينفذ ما يريد. والجواب ان هذا صحيح في ما يتعلق بالتمديد. ولكن النظام نفسه أو مخبريه من اللبنانيين وحتى العرب اعتقدوا ان الحريري بالتآمر مع فرنسا هو المسؤول عن القرار 1559 . وانه تحول الى خصم دولي حقيقي لسوريا، وبالتالي كان من مصلحة النظام قتله. فهو نظام يعرف مصلحته إذًا. ولكن للمدى القصير فقط، وهو لم يتمكن من حساب نتائج الاغتيال الوخيمة. لا نهاية للادعاءات والادعاءات المضادة في وضع مشحون وعلاقة مشوهة يحسب المرء الف حساب قبل الدخول فيها. فنحن ازاء وضع تستثير فيه حتى الشبهة الدولية الاحتفال، ثم يضاف ان الاحتفال هو بالحقيقة، وانه لا رغبة لأحد بتدخل دولي ضد سوريا. واذكر جيدا كيف كان يدعي البعض ان مطلبهم الوحيد هو انسحاب سوريا تتلوه علاقات مثالية وممتازة بين البلدين. انسحبت سوريا فساءت العلاقات اكثر وارتفع منسوب التحريض وزادت الشماتة.

وإزاء وضع العلاقة بين لبنان وسوريا وعدد حالات الحقيقة المطلوبة: حقيقة حلفاء سوريا الذين ما زالوا حلفاء لها، وحقيقة من كانوا حلفاء سوريا وكان بإمكانها ان تكسبهم لو عززت نفوذهم على حساب لحود مع عيونهم الى ميزان القوى الاقليمي والتحولات ونفوذ فرنسا وامريكا والمملكة العربية السعودية، وحقيقة عملاء سوريا الذين اصبحوا محرضين عليها، وحقيقة خصوم سوريا الذين كانوا وما زالوا خصومها، وازاء تعدد منطلقات المطالبة بمعرفة الحقيقة وجدت سوريا نفسها في ازاء نظام أمريكي يسمى خطأ نظاما دوليا ويعتبرها مذنبة الى ان تثبت براءتها.

تروي اللجنة رواية تفسر ما جرى كبداية للبدء بتحقيق، اي سيناريو ممكن أن يصلح لفتح خيوط تحقيق.المحقق يروي عادة لنفسه ولفريقه عدة روايات كهذه. ولكن حقيقة ما جرى وما يريد التوصل اليه واحدة. أما لجنة التحقيق هنا فتروي رواية واحدة تؤدي الى حقائق غير مؤكدة عديدة. ولذلك ايضا لم يسمع المرء بإشاعة في الأشهر الاخيرة الا واتسع لها التقرير لأنه يعيش هذا السياق فقط. وهو امر ظاهر من تأسيس محاكماتها على رواية تاريخية تسرد العلاقة بين سوريا ولبنان بحيث تحول خصوصية العلاقة الى شبهة من السطر الاول الذي يبدأ بتقسيم بلاد الشام وينتهي بعدم وجود سفارات بين البلدين. يختار فريق التحقيق رواية معينة. وكان بإمكانه ان يروي أخرى، وأن يبدأ من مكان آخر. كما كان بإمكانه ان يتعامل بديناميكية اكبر في سرد العلاقة بين سوريا والنخب اللبنانية الشريكة لها في الأمن والاقتصاد والسياسة منذ الطائف والتي انقلبت على سوريا، او انقلبت سوريا عليها. وهي علاقة لا تختزل بمعادلة فاعل وضحية.

وحتى من زاوية نظر من يدين سياسة سوريا في لبنان هنالك عدة روايات يمكن أن تروى. ولا شك ان الرواية الأكثر مثابرة في سرد العلاقة السورية اللبنانية، من منطلق معارضتها لسوريا وللوجود السوري في لبنان، لم تر بالقوى السياسية الممثلة حاليا بأغلبية نيابية مجرد ضحية بريئة في هذه العلاقة. ولم يتم حتى اختيار هذه الرواية.

الرواية التي اختيرت هي رواية القوى المتحالفة مع سوريا من زاوية لقاء المصالح والتي انقلبت عليها، او انقلبت سوريا عليها باختيارها نظاما سياسيا امنيا جديدا ونخبا مستفيدة اخرى في لبنان وسوريا. وهي اضعف الروايات من حيث المصداقية. لأنها انتقائية جدا في اختيار الحقائق من مرحلة ما قبل وما بعد الجريمة. وهي الحقائق التي تفسر تورط سوريا وسلوكها غير الحذر وحتى المستهتر في التحضير للجريمة واخفاء الأدلة. وكأنها تحضر لمؤتمر في وضح النهار وليس لجريمة اغتيال. وكل هذا لماذا؟ لأنها اعتادت على الاغتيال من دون عقاب. اطراف عديدة ارتكبت اغتيالات من دون عقاب في لبنان وفي العالم ومنها من يدعي الآن على سوريا في لبنان ويحتفي بأشخاص متهمين باغتيالات، ومنها من يدعي دوليا على سوريا. ويستطيع المرء ان يتخيل انه لو صحت رواية شهود اللجنة هذه فإنه برأي خبراء الاغتيال في وكالة المخابرات المركزية الامريكية وفي الموساد، الذين يدعون الآن على سوريا، تستحق سوريا العقاب ليس فقط على الاغتيال بل أيضا على شكله وشكل تنفيذه.

حتى من يعترف بوجاهة تقرير ميليس يجد من واجبه ان يوجه بعض الاسئلة المشروعة: تورد اللجنة التسجيل الأكثر وضوحا وقسوة لمحادثة تليفونية من يوم 16 يوليو/ تموز 2004 . ويُظهر فيه رستم غزالي عدم احترام للبنانيين. ونستطيع ان نتخيل محادثات تليفونية عديدة من تلك المرحلة بكلام اقسى او اقل قسوة عن سوريا وحتى عن الحريري بين سياسيين آخرين في المعسكر المضاد. وفي التسجيل رغبة واضحة للتخلص من رئاسة الحريري للحكومة. وكل هذا في حديث مع شخصية لبنانية لم يكشف عن اسمها في التقرير. ولا يوجد في هذا الحديث الصريح أية اشارة لنية قتل بل لنية ارغام الحريري على الاستقالة حتى من دون أن يقال له ذلك صراحة. ومع ذلك فبعد المحادثة بيوم واحد اعلن الحريري انه لن يستقيل فهذه حملة مستمرة ضده منذ اثني عشر عاما. أي انه اظهر اصرارا، قد يدفع السوريين بنظر المشكك بهم لاستخدام وسائل اخرى. ولكنه استقال في النهاية، وذلك قبل ان تقع جريمة اغتياله النكراء.

أما بالنسبة للقاء الحريري الأسد من يوم 26 اغسطس/ آب 2004 فيعتمد التقرير على شهادة ثمانية أشخاص لم يكن أي منهم موجودا في اللقاء. بعضهم صديق وبعضهم ليس صديقا للحريري ولم يكن حليفا سياسيا له في الماضي. ولكنهم جميعا يلتقون في مخاصمة سوريا سياسيا في لحظة التقرير التاريخية. والرواية التي نقلت تصويرية، تصور أجواء ومخاوف. بمعنى انه قيل كلام قد يكون الشهيد الحريري قد فهمه ونقله كتهديد ليوضح الصورة. وهذا لا يعني ان الثمانية كذبوا. ولكنهم حقوقيا ذوو مصلحة، وغير محايدين، وهم نقلوا ما سمعوه من الرئيس الشهيد الحريري، ولم يسمعوا الرئيس الأسد. وهذه شهادة لا تتعدى كونها شهادة عن موقف وشعور الحريري بعد الاجتماع وليس عما قاله له الاسد بدقة. ولا يحاول التقرير ان يتعمق، كما يفترض بتقرير محايد، بعلاقة الشهود بسوريا وتطور هذه العلاقة، وهو لا يضع شهاداتهم المتواترة المنقولة في سياقها كما يفترض. وهم بلا شك اصحاب وجهة نظر قد تكون محقة أو خاطئة، ولكنها وجهة نظر خصم لسوريا في مرحلة التحقيق. ولا يمكن لتحقيق محايد الا يرى ذلك. وربما لا يضع التقرير وجهة النظر هذه في سياقها المذكور لأنه ليس على مسافة منه. ولأن طاقم التحقيق هو جزء من هذا السياق، فهو لا يراه كسياق بل كمجرى الامور الطبيعي. وعلى كل حال ينقل التقرير تسجيلا عن الحريري بصوته يتضمن رواية عن الجلسة نفسها رواها الحريري نفسه لوليد المعلم وتتضمن شكوى، ولكن ليس شكوى من تهديد كهذا بل من اتخاذ الرئيس السوري قرارا جاهزا بعدم التعامل معه كرئيس لحكومة لبنان. وهذا كلام فيه مصداقية ومنطقي عدا عن كونه مسجلا، أي حقيقيا. الدليل المسجل الوحيد لما نقله الحريري عن اجتماعه مع الاسد لا يتضمن تهديدا ولا يؤكد شهادة الثمانية.

في الفقرة 96 من التقرير يتم تفصيل رواية عن قرار باغتيال الحريري وخطة لتنفيذها بين يوليو/ تموز وديسمبر/ كانون الأول 2004 واجتماعات بين الميريديان والقصر الجمهوري. والمعلومات الغريبة العجيبة تأتي برمتها من شاهد سوري عمل في السابق في المخابرات في لبنان، من دون اقتباسات ولا تسجيلات ولا صور. والشاهد من دون اسم. ضابط مخابرات سوري متوسط في لبنان يعرف كل هذه المعلومات!! والقرارات تتم في اجتماعات على هذا المستوى وفي أماكن كهذه من نوع فندق ميريديان والقصر الجمهوري!!

يدعي السوريون ان الشاهد كاذب وانه تم زرعه وتمويله. ولكن لا توجد متابعة حقيقية لهذا الادعاء لأنه يوجد هنا تضليل حقيقي لعمل اللجنة من قبل من زرعه وموله يتجاوز المعلومات الخاطئة المدعاة في رسالة (كما يتم اتهام الشرع). واذا لم ترغب لجنة التحقيق بمتابعة طلب سوري بالتحقيق في التهم التي توجهها هي لمجهول في تضليل التحقيق فهي لا تستطيع ان تتجاهل تقرير مجلة “دير شبيجل” الالمانية حول الموضوع. فهي تدعي ان احد الشاهدين السوريين قد تلقى اموالا او ان شهادته ملفقة وتم شراؤها. ولكن التقرير يكتفي بالقول انه “حتى اللحظة لا يمكن تأكيد شهادة الصديق من مصادر اخرى”. هنالك فرق بين شهادة زور وبين شهادة لا يمكن التأكد من صدقيتها وتجلب بتفصيل وتبنى عليها روايات وتكمل منها حلقات ناقصة في رواية. وقد اختار التقرير الطريق الثاني، وهذا قرار لافت ان لم يكن مستغربا. فلماذا توجد اصلا في تقرير مصيري كهذا شهادة يتلوها تعليق انه لا يمكن التأكد منها؟ ما هذا بالضبط؟.

وينقل التقرير في الفقرة 97 حديثا عن شخصين مجهولي الهوية احدهما شاهد من دون اسم يسر اليه ضابط من دون اسم ان زلزالا سوف يقع في لبنان. ومن بين ملايين الاحاديث والجمل والروايات والشائعات يجلب هذا الهمس كحجر ليكمل صورة الفسيفساء التي يحاول التقرير رسمها كتفسير لما جرى بدلا من الوصول الى حقيقة ما جرى. وفي الفقرة 98 يدعي نفس الشاهد انه زار عدة مواقع عسكرية سورية في لبنان وأنه شاهد سيارة ميتسوبيشي، وانه شاهد السيارة نفسها تُحَمَّل بالمتفجرات ايام 11 و 12 فبراير/ شباط أي قبل الاغتيال بيومين، وأن ابو عدس كان موجودا وقت التحميل بالمتفجرات الذي تم بهذا الشكل العلني كما يتم تصليح سيارة. اولا، الشاهد في كل مكان. وثانيا انه نفس ابو عدس الذي ادعى الجميع ان التسجيل معه مفبرك ومزور وعلى رأي نفس الشاهد تم التسجيل والمسدس موجه الى رأسه قبل القتل بأسابيع. هل كان الشاهد هناك وقت تسجيل الاعتراف؟. ام سمع ذلك أيضا؟. لا دور لابو عدس سوى تسجيل اعتراف والمسدس موجه الى رأسه، ولكنه يظهر فجأة وقت تحميل السيارة بالمتفجرات. ما الحاجة لوجوده عند تحميل السيارة بالمتفجرات اذا كان المطلوب منه هو فقط الادلاء باعتراف بصوته.

نفس الشاهد الكلي القدرة والموجود في كل مكان يقول انه كان قرب “سان جورج” وانه تلقى مكالمة من ضابط سوري قبل الاغتيال بدقائق يطلب منه ان يخلي المكان فورا. من تسجيل فيديو الاعتراف الى قواعد عسكرية الى الوجود على مقربة من مكان الجريمة قبل وقوعها بقليل. غريب جدا امر هذا الشاهد. يظهر من شهادته أن الأخير يعرف متى سيضغط زر التفجير بالدقيقة، لا شك انه الفاعل ذاته او قريب منه. ولماذا لا يقول اسماء او اوصاف من حملوا السيارة بالمتفجرات؟. فهؤلاء هم الفعلة ويجب ان يتم اعتقالهم.

جرت العادة ان نسمع عن اعتقال القتلة المنفذين الذين يعترفون بدورهم على رؤسائهم او موفديهم. ولكن في هذه الحالة لدينا روايات عن الرؤوس المدبرة اما المنفذون الذين قتلوا فمجهولو الهوية. لا بد ان هؤلاء الكبار قد ارسلوا احدا. ولكن هذا “الأحد” يظهر في التقرير مجهول الهوية، يحمل سيارة بالمتفجرات، ويتصل هاتفيا ليعلم شاهدا ان يلحق نفسه ويهرب قبل التفجير...غريب!! لماذا لم يبلغ طاقم التحقيق السوريين بهوية هذا الضابط الذي اتصل؟ لا بد ان الشاهد يعرف هويته والا فكيف ولماذا اتصل به؟.

وتبقى من التقرير اسئلة وجيهة جدا تثيرها مسألة الهواتف الخليوية الموزعة في مكان الجريمة وتتصل ببعضها بعضاً بتسلسل زمني مريب. وهي الدليل المادي الوحيد عن خطة الاغتيال ولو كان دليلا ظرفيا، الا انه هام وعلى من يريد ان يثبت ادانة أحد ان يتابعه وعلى من يريد ان يبرئ نفسه ان يفند أية علاقة له به.

وطبعا تستطيع سوريا ان تعترض على احكام من نوع انه لا يمكن لجريمة كهذه ان تنفذ دون علم اجهزتها الأمنية. فمقولة من هذا النوع هي مقولة دائرية، ومغالطة منطقية. فإذا لم تكن سوريا متورطة، لماذا يجب ان تعلم اكثر من أية دولة تتم فيها جرائم رغما عنها؟ واذا كانت متورطة في الجريمة فمقولة ان الجريمة تتم بعلمها هي مقولة مخففة بل فارغة، لأنها اذا كانت متورطة فهي تعلم بل اكثر من ذلك، انها متورطة. هذا كلام لا يثبت شيئا ويقلل من مصداقية التقرير. التقرير يعج بمثل هذه المقولات، ولكنه لا يثبت ان سوريا اغتالت الحريري. والتقرير لا يدعي ذلك على اية حال، خلافا للمحتفين به.

ما كان يجب لتقرير كهذا بهذا الوزن ينتظر نتائجه هذا العدد من الناس وله هذه الاسقاطات السياسية حتى بوعي معديه الذين يدعون انه غير مسيس رغم انهم يعرفون انه قد تكون له نتائج سياسية وأنه قد يستغل سياسيا، ما كان يجب لتقرير كهذا ان يظهر ليروي رواية تفسر ما جرى، بل أن يقدم فقط بعد ان يكون ولديه على الاقل اساس لاتهام يدعي معرفة القاتل. وحتى الشبهة لا تكفي هنا لاصدار تقرير اذا اسست برمتها على شهادة او اثنتين. احداهما لا مصداقية لها والثانية متناقضة.

ولكن سوريا لم تعد تستطيع ان تعتمد على تناقضات الرواية التي تتهمها والتدليل عليها. والحقيقة أن دعوة اللجنة لها من مجلس الأمن ان تبدأ تحقيقا تأتي إما لتثبت ما تقوله اللجنة او لتثبت براءتها. وعلى سوريا قبول التحدي غير المنصف وغير العادي. عليها ان تخوض معركة “تبرئة ذاتها” حتى النهاية، ولو تضمن ذلك سرد حقيقتها هي. وهي تتضمن نقدا لدورها ولدور الحريري، عندما كانت علاقته مع سوريا ممتازة وعندما ساءت. وعلاقتها في الفترة الاخيرة معه لم تكن جيدة، ولا بأس ان يقول السوريون بصراحة رأيهم بدوره، فلا هم قديسون ولا هو كان قديسا إنما سياسي ورجل اعمال. والالحاح بالادعاء ان علاقتهم معه كانت وبقيت ممتازة يفتقر الى المصداقية. يجب ان تقال الحقيقة كاملة وان تقص سوريا الحقيقة كما تراها. التناقضات في رواية الاخرين كافية لكي تمنع ادانتها ُّقُِّل مٌقفََُّفمْ لَُ؟مق لغياب الادلة كما في حالة او. جي. سمسون. ولكن ما يصح في حالة فرد لا يصح في حالة دولة يدعي الجميع انه يعرف انها المدبر المسؤول، وما ينقص هو الدليل المادي. وهي دولة تتعرض اصلا الى عقوبات اقتصادية من قبل امريكا قبل الاغتيال ودون علاقة به، وهي تريد فقط ان تقنع العالم بأن ينضم اليها . والمعركة سياسية نعم سياسية ايضا. هذا امر ليس بحاجة الى اثبات.

وغير صحيح ان على سوريا ان تختار إما ان تدعي ان التحقيق مسيس وإما ان تتعامل مع تفاصيله. فهذا ادعاء الباحث عن تناقض في الموقف السوري لافشاله. وهو يدعي أنه اذا تعاملت سوريا مع تفاصيله وتناقضاته فقد سلمت بأنه وثيقة قانونية، واذا نسفته من اساسه باعتباره وثيقة سياسية فإن التعامل مع تفاصيله يمنحه مصداقية قانونية. هذا التمييز خاطئ لأنه يفترض ان خصوم سوريا اختاروا منهجا واحدا، او انهم جزء من مؤامرة واحدة. او ان النقاش علمي او فلسفي وعلى سوريا وخصومها ان يتفقوا على تعريف الادوات والمصطلحات كأننا في مناظرة أكاديمية. وهذا غير صحيح طبعا. فمن يحاربها ويستهدفها يفعل ذلك بالادوات كافة. واللجنة قد تكون مقتنعة بما تكتب. وعلى سوريا ان تثبت ان التقرير متناقض وان تقنع في الوقت ذاته ببراءتها خلافا لما يتطلبه الأمر في محكمة جنائية، وان تثبت ان هنالك حملة سياسية عليها بغض النظر اذا كانت قد قتلت الحريري ام لا وان تتصرف سياسيا على هذا الاساس. وجورج بوش يسعفها دائما في خطاباته العظيمة. وآخرها خطابه امام نساء الضباط من يوم 25 اكتوبر/ تشرين الأول والذي يقول فيه ان سوريا يجب ان تعاقب ليس فقط على قتل الحريري بل على ماضيها في دعم الارهاب. والمقصود هو ليس تنظيم “القاعدة”. فسوريا هي البلد الذي تتسرب باستمرار اخبار حول تعاونه في مكافحة نشاط ارهاب “القاعدة” بل المقصود بالارهاب هو امور مختلف عليها سياسيا مع امريكا من نوع المقاومة اللبنانية والفصائل الفلسطينية وأخيرا المقاومة العراقية.

حتى الآن اتبعت بريطانيا وامريكا وفرنسا اساليب ضغط تعتمد على افتراض براغماتية سوريا، وهي من نوع ان الضغط يفيد والسوريون يتراجعون. لقد ادى ضغط دولي بعد اغتيال الحريري وقرار مجلس الأمن الى انسحاب سوري فوري من لبنان. ولكن العملية تستمر. ويتم تحييد اطراف والاستفراد بطرف بعد آخر. ويتم تأجيل المعركة مع المقاومة وايران لاسباب لبنانية وعراقية والاستفراد بسوريا. ولكن الضغط الآن لم يعد يفيد. فالجميع يدرك ان الدور سوف يصل اليه فورا. وفرنسا على الاقل حققت اهدافها ولا يفترض انها ترغب أن تستمر الى حيث يريد المحافظون الجدد. وروسيا والصين تعترضان. وليس لدى سوريا ما تنسحب اليه. وهي لا تستطيع ان تتخلى عن الجولان. وحزب الله لم يعد في اطار مسؤولياتها. وهي لن تتحول الى شرطي لامريكا في العراق. وهي الامور المطلوبة منها.

ورغم أن افرايم هاليفي رئيس الموساد السابق يرجح في مقابلاته ان المطلب الاخير (شرطي لامريكا في العراق) يكفي لارضاء امريكا فحياة جنودها اهم من كل الباقي ناهيك عن الحقيقة حول اغتيال الحريري، الا ان هاليفي كعادة رجال المخابرات السابقين الذي يتحولون الى محللين يستمر في التعامل مع الدنيا كأنها تسير على نفس القواعد. ولكنها تغيرت منذ مرحلته. وبرأيي اذا تحولت سوريا الى شرطي لامريكا فانها تخسر العالمين. وهي لن تفعل ذلك على كل حال.

على سوريا ان تواجه الهجمة على كل الجبهات. ولكن من اجل ذلك هنالك بديهية اولى: عليها ان تقنع رأيها العام أولا والرأي العام العربي المتشكك أصلا من الموقف الامريكي. وهذا يحتاج الى حوار داخلي فوري وانفتاح سياسي.

أما من يدعي انه يريد أن يعرف الحقيقة ولكنه لا يقبل بعقوبات على سوريا، فلا بد ان يدرك أن هنالك حاليا حقيقة واحدة أكيدة هي رغبة امريكا بتغيير السلوك السياسي السوري الاقليمي بالضغط وبغيره. وعلى النظام من ناحية اخرى ألا يبخل حتى على خصومه الوطنيين في البلد بتشاور وبحوار صادق ومفصل حول روايته عن العلاقة السورية اللبنانية وعن جريمة الاغتيال النكراء وملابساتها. ثم توسيع جبهة تنسيق حملة مضادة تشمل حلفاء مهددين بنفس درجة تهديد سوريا مثل المقاومة اللبنانية وايران وغيرهما، وقوى غير مهددة بنفس الدرجة ولكنها ترى الخطر الماثل.

هنالك معارضة سورية وطنية وديمقراطية كانت تتعرض الى ملاحقة في سوريا حين كان بعض خصوم سوريا الحاليين في لبنان متحالفين مع النظام الأمني السوري اللبناني. وسوف يثبت الزمن ان جزءا كبيرا منها يبقى مخلصا لوطنه سوريا وانه يقف مع بلده حين يقف حلفاء مرحلة الوفرة ضدها في مرحلة الضيق. كما ان بعض من انتقدوا سوريا وممارساتها في لبنان اثبتوا انهم اكثر مصداقية ممن كانوا عملاء لها.

مصادر
الخليج (الإمارات العربية المتحدة)