قلنا في مقالنا السابق أن نتائج التقرير الذي سيصدر عن لجنة التحقيق الدولية برئاسة القاضي الألماني ديتليف ميليس والمكلف بالتحقيق في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، هي التي ستحدد شكل وطبيعة تعاطي الإدارة الأميركية مع سورية في المرحلة المقبلة، وما إذا كانت واشنطن ستستمر في سياستها التصعيدية ضد دمشق بعد صدور نتائج التحقيق, و كما توقعنا فان التقرير جاء بمثابة الزلزال السياسي الذي ستكون له على ما يبدو من التداعيات على المنطقة بأسرها ما يصعب تقديره أو تصوره!

فجر المحقق الألماني ميليس في تقريره الذي سلمه يوم الجمعة الماضي إلى الأمين العام كوفي أنان، قنبلة سياسية من العيار الثقيل بعد أن أشار بشكل واضح إلى تورط النظام الأمني السوري في اغتيال الرئيس الحريري رغم أن التقرير لم يستند إلى أدلة وبراهين تدين دمشق بشكل مباشر إنما استند التقرير بشكل رئيسي إلى روايات ذكرها اثنان من الشهود المشكوك أصلا فيهم كما ذكرت ذلك مجلة «دير شبيغل» الألمانية في عددها الصادر بتاريخ الرابع والعشرين من اكتوبر الجاري، إلا أنه وبغض النظر عن صحة التقرير فان الولايات المتحدة تكون بذلك قد حققت انتصارا سياسيا في صراعها مع سورية، إذ سيشكل هذا الاتهام بغض النظر عن صحته، مادة دسمة لواشنطن لإحكام قبضتها حول عنق دمشق عن طريق إحالة الملف السوري إلى مجلس الأمن تمهيدا لفرض عقوبات دولية عليها، وهو الأمر الذي كانت تسعى إليه واشنطن منذ أكثر من عامين! وبالعودة إلى التقرير الذي أصدره القاضي ميليس، فلا بد من التأكيد أولا من انه ليس هناك خلاف بشأن ضرورة الكشف عن الحقيقة وعن المذنبين أيا كانوا، ولا يوجد خلاف أيضا على معاقبتهم في حال ثبتت التهمة عليهم فهو أمر مطلوب يتفق عليه الجميع, ولكن في المقابل (وبعيدا عن الجانب القضائي في التقرير) فانه لا يستطيع أحد أن ينكر أن اعتبارات سياسية حكمت إعداد ونتائج هذا التقرير، أو على الأقل لنقل أنها أثرت فيه (خصوصا وأن المناخ الذي جرى فيه التحقيق كان مناخا سياسيا بامتياز) وذلك بسبب ما تضمنه ثنايا التقرير من أمور تدعو للريبة والاستغراب، وسنكتفي هنا باستعراض مثالين على ذلك!

أولا: ذكر القاضي ميليس أنه قام بشطب مجموعة من أسماء كبار المسؤولين السوريين واللبنانيين في اللحظات الأخيرة من موعد تسليم التقرير! وهو ما يعني احد الاحتمالين، إما أن السيد ميليس لم يجد الأدلة الكافية التي تدين مجموعة الأسماء التي حجبها في اللحظات الأخيرة أو أنه ولاعتبارات سياسية أو بسبب تدخلات خارجية قام بحجب هذه الأسماء في اللحظات الأخيرة)بعد أن كانت مدونة قبل يوم واحد فقط من موعد تسليم التقرير! الغريب في الأمر هو رد وتبرير السيد ميليس في المؤتمر الصحافي الذي عقده بعد تسليم التقرير عندما ذكر بأن سبب حجب مجموعة من الأسماء يعود إلى خوفه أي ميليس من تناولها في وسائل الإعلام بعد أن علم من باب الصدفة أن التقرير سيكون في متناول الجميع!! هنا قام أحد الصحافيين بتوجيه سؤال منطقي للسيد ميليس عن السبب الذي أدى إلى نشر بقية الأسماء التي وردت في التقرير وعدم حجبها أسوة بغيرها مادام الجميع سيتناولها؟ هنا امتنع السيد ميليس عن الإجابة!

ثانيا: على نحو مفاجئ، ورد في التقرير اسم الجبهة الشعبية الفلسطينية-القيادة العامة وتحديدا اسم أمينها العام أحمد جبريل كمشتبه به في اغتيال الحريري، اذ ذكر التقرير أن اللواء جميل السيد الموقوف حاليا في بيروت كان على اتصال دائم مع جبريل، هذا كل ما ذكره التقرير في ما يتعلق بالسيد أحمد جبريل كدليل على دوره المزعوم في اغتيال الحريري! و هنا نطرح السؤال التالي: إن لم يكن لدى السيد ميليس أي أدلة أو إثباتات بشأن تورط جبريل في اغتيال الحريري سوى انه كان يجري اتصالات مستمرة مع اللواء السيد، فهل يعتبر هذا دليلا كافيا على إدانة الرجل؟ إذا لماذا قام السيد ميليس بزج اسم أحمد جبريل في التقرير؟! إن أحسنا الظن في نوايا ودوافع السيد ميليس فسنقول بأن لدى المحقق الألماني على فرض أدلة دامغة جدا على تورط جبريل في قضية اغتيال الحريري (الأمر الذي نفاه جبريل بشكل مطلق) ولكنه آثر الكشف عن الأدلة حتى اكتمال باقي التقرير في ديسمبر المقبل! و إن لم نحسن الظن عندئذ نقول: هل كان من باب الصدفة قيام السلطات اللبنانية قبل نحو أسبوعين من موعد تقديم ميليس لتقريره باستهداف قواعد الجبهة الشعبية في لبنان؟ وأن تتعالى في الوقت نفسه بعض الأصوات اللبنانية للمطالبة بتجريد المخيمات الفلسطينية من السلاح؟! ثم هل هي مصادفة أيضا أن يتزامن تقديم تقرير ميليس إلى مجلس الأمن مع تقديم تقرير تيري رود لارسن المبعوث الخاص للأمم المتحدة لمنطقة الشرق الأوسط والذي اتهم سورية بخلخلة الأمن في لبنان عن طريق إرسال أسلحة ومقاتلين إلى المخيمات الفلسطينية؟! أليس غريبا بعض الشيء أن ينشط الاثنان ميليس ولارسن معا ويصوغان تقاريرهما في وقت واحد وأن تكون محصلة التقريرين واحدة؟!

بالإضافة إلى ما سبق فان هناك أمثلة أخرى على المثالب التي تضمنها تقرير القاضي ميليس أو تلك التي رافقت نشر التقرير, فمثلا: ما هو سر تجاهل التقرير للواء غازي كنعان الذي انتحر قبل أيام من موعد تسليم التقرير وهو أمر يحمل بين طياته العديد من المدلولات؟ ثم ما هو سبب الزيارة المفاجئة التي قامت بها وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس للأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان قبل يومين فقط من موعد تسليم ميليس لتقريره؟!

الآن بعيدا عن الأغراض والدوافع السياسية التي تضمنها تقرير ميليس، فان التقرير يضع سورية أمام خيارين أحلاهما مر، إما الخيار الليبي وإما خيار صدام حسين! الخيار الليبي يعني أن ترضخ سورية للشروط والاملاءات وأن تغير سياساتها كافة وأن تقوم بتسليم جميع المتهمين في حادثة الاغتيال إلى محكمة دولية في حال ثبتت التهمة عليهم, وهنا ستكون سورية أمام مأزق حقيقي إذا ما قررت تسليم المتهمين للمحكمة الدولية نظرا للمكانة الحساسة التي يحتلها المتهمون في النظام السوري الذي هو بالأصل قائم عليهم! الخيار الثاني وهو ما بات يعرف بخيار صدام حسين، أي بمعنى أن ترفض سورية التعاون مع المجتمع الدولي وأن ترفض تسليم المتهمين الذين وردت أسماؤهم في تقرير ميليس، عندئذ سيقوم مجلس الأمن بإيعاز أميركي بفرض حصار دولي وسلسلة من العقوبات الدولية الصارمة على دمشق قد تفسح المجال لاحقا لشن هجمة عسكرية (أميركية) على دمشق بغية تغيير النظام الحالي فيها بحجة عدم تعاونه مع المجتمع الدولي! و الخلاصة أنه على سورية عدم الاكتفاء بالقول بأن ما حدث هو جزء من مؤامرة دولية أو أميركية ضدها وأن تقرير القاضي الألماني كان «مسيسا»، فان هذا الكلام على أرض الواقع لن ينفعها كثيرا! وبعيدا عن حقيقة الدلائل التي ساقها التقرير وهل أنها تصل إلى مستوى القرائن، فانه يتوجب على سورية عدم التقليل من أهمية التقرير (كما فعلت بعد صدور القرار الدولي 1559)، فثمة حاجة سورية إلى إعادة قراءة متأنية للمشهد الراهن في ظل الهيمنة الأميركية على المنطقة، وأن يقوم المسؤولون السوريون بأخذ الأمور بجدية أكثر وذلك لا يكون إلا عن طريق العمل المكثف في خطين متوازيين, الأول الرد بشكل علمي وقانوني وتفنيد كل ما ورد من اتهامات بحق سورية بالأدلة والبراهين وأن يصاحب ذلك حملة إعلامية وديبلوماسية مكثفة, الأمر الثاني هو الالتفات إلى البيت الداخلي وذلك عبر إجراء إصلاحات جذرية وفورية وأن تعمل سورية على تعزيز الوحدة الوطنية لتكون لها الحصن المنيع في المرحلة المقبلة التي من الواضح أن دمشق ستشهد فيها أيام عصيبة اي أن الآثار المترتبة على صدور تقرير ميليس ليست سوى «البداية» لمرحلة جديدة في منطقة الشرق الأوسط,,, الكبير!

مصادر
الرأي العام (الكويت)