لا لجوء الى القوة، ولا عقوبات الآن بل تهديد بالعقوبات. هذا هو جوهر الموقف الاميركي - الفرنسي بعد صدور تقرير لجنة التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. مع اعتبار تاريخ 15 كانون الأول (ديسمبر) آخر المهلة المعطاة لسورية كي تثبت بالفعل ما تعلنه عن استعداد للتعاون الجاد مع التحقيق.

لذلك فإن إعلان موسكو، كما الجامعة العربية، عن رفضهما لفرض عقوبات يتناغم ايضاً مع مواقف لبنانية أبرزها لوليد جنبلاط وسعد الحريري. فيما ظلت باريس متمسكة بما أعلنته مراراً سواء بمعارضتها لمبدأ العقوبات، أو لخيار تغيير النظام. لكن العقوبات، إذا فرضت، ستنال من المشتبه بهم في التحقيق. وهذه مشكلة في حد ذاتها بالنسبة الى دمشق.

لماذا؟ لأن المشتبه بهم هم كبار المسؤولين الأمنيين الذين يستند اليهم النظام، وإذا اختار التضحية ببعض منهم، فإنه لا يستطيع تسليمهم جميعاً. ثم ان مشروع القرار الاميركي - الفرنسي يطالب دمشق بالمبادرة الى اعتقال هؤلاء، تمهيداً لتقديمهم الى التحقيق، وهذه نقطة لن يرفضها اعضاء مجلس الأمن، إلا إذا كانوا مقبلين على التشكيك بمجمل تقرير ديتليف ميليس.

مشكلة سورية مع هذا التقرير، ومع التحقيق، أنه لم يشر الى أي شبهات خارج الإطار السوري - اللبناني. بل لمح بقوة الى مسؤولية سياسية في اتخاذ قرار الاغتيال. المشكلة الأخرى أن سورية نفسها تعاملت مع الجريمة كأنها لا تعنيها، وبالتالي فهي لم تجر تحقيقاً سورياً كي تتمكن من دحض رواية ميليس برواية أخرى متماسكة ومستندة الى أدلة. لكن سورية باتت الآن تبدي الاستعداد لاجراء مثل هذا التحقيق. ومثلما كان مستغرباً أن لا تحقق فور حصول الاغتيال، فإن حديثها الآن عن تحقيق خاص يثير استغراباً أكبر.

أما التعاون مع التحقيق، الذي تحرص دمشق على تأكيده على رغم اعتراضاتها الكثيرة عليه، والذي أصبح مطلوباً دولياً كـ «شرط» لعدم فرض عقوبات، فلعله أصبح الآن - بعد التقرير وتسريباته - أكثر صعوبة. إذ أن المحقق الدولي يريد تعاوناً كالذي لقيه من السلطة اللبنانية، وفقاً لمذكرة تفاهم واضحة تمكنه من استجواب أي شخص وطلب توقيف أي مشتبه به يعتقد المحققون أن وجوده حراً طليقاً قد يؤذي التحقيق، على غرار ما حصل مع الضباط اللبنانيين الأربعة. ولا يبدو أن ميليس يثق بأن التعاون السوري معه سيمكنه من السيطرة على تحقيقه وعلى المشتبه بهم إذا بقي «التعاون» السوري خاضعاً لمفاهيم السيادة، والأكيد انه سيتمسك بها. لكن المحقق مضطر في هذه المرحلة للعمل في الاطار الذي يسمح به السوريون، طالما ان مجلس الأمن لم يحسم بعد مسألة اقامة محكمة دولية، خارج لبنان وسورية، من شأنها ان تطلب جلب المتهمين وتوقيفهم في مكان ما بإشرافها.

كان يفترض في المشروع الاميركي - الفرنسي ان يشير الى المحكمة الدولية، طالما ان الدولتين المعنيتين تعتبران ان تقرير ميليس قدم ملامح قوية للطرف المتورط، وطالما أنهما تصدقان التقرير وتؤيدان استنتاجاته، بل تذهبان أبعد منها. لا شك ان ترك التحقيق يجري من دون أفق واضح بالنسبة الى الجهة التي ستحاكم المتهمين، يُقصد منه مزيد من الضغط على دمشق التي لا تبدو خياراتها كثيرة ضمن اطار السيادة. وهذا قد يدفعها الى سيناريوات التفافية، وقد نسمع عن «انتحارات» جديدة.

مصادر
الحياة (المملكة المتحدة)