وزارة الخارجية الفرنسية رفضت مقارنة ما يحصل مع سورياـ اليوم في ملف التحقيق باغتيال الرئيس رفيق الحريري، بما حصل مع العراق بالامس في ملف البحث عن اسلحة الدمار الشامل.

ربما تتوقع باريس ان تسلك الحالة السورية مساراً مختلفاً عن الحالة العراقية، لكن الشريك الاميركي في "الدعوى" يبدو اكثر اهتماماً بالتقريب بينهما.

وعندما جوبهت وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس بموقف فرنسي رافض لحرق المراحل، والانتقال فوراً الى العقوبات، ما كان منها إلا ان أبدت استعدادها لاتباع طريق التدرج في التصعيد.

في موقف رايس خبرة التعاطي مع العراق في مناسبتين: غزو الكويت، والتفتيش عن اسلحة الدمار الشامل.في المناسبة الاولى نجحت الولايات المتحدة في ضبط خطواتها على خطى المجتمع الدولي ممثلاً بالامم المتحدة، ولم يبدأ التعثر الا عندما اصبحت القوات الاميركية قريبة من اسقاط نظام صدام حسين.

وفي المناسبة الثانية فشلت واشنطن لانها عجّلت الخطى تاركة وراءها معظم المجتمع الدولي الذي كان يؤثر الانتظار ليتأكد من وجود اسلحة الدمار الشامل.

والعجلة الاميركية ربما كان مصدرها، كما تبين لاحقاً، الخوف من ان يثبت التفتيش خلو العراق من هذه الاسلحة، او على الاقل طول الفترة الزمنية اللازمة لكشفها.

اليوم تحاول واشنطن ان توظف دروس الماضي في المواجهة المفتوحة مع سوريا: لا خطوات منفردة او مع الحلفاء الاقربين خارج مظلة الامم المتحدة وان اقتضى الامر الصبر على المسار البطيء للتحقيق في اغتيال الحريري، وعلى الانتقال التدريجي للمجتمع الدولي في التعاطي مع سورياـ.

قد تكون ثقة واشنطن بتورط سوريا في عملية الاغتيال، وثقتها بعدم قدرة أداء سوريا الرسمي على اخراجها من المأزق وراء "الهدوء" الاميركي في دفع الملف الى الامام، لكن من الاكيد ان وراءه ايضاً دروس الاثمان التي دُفعت نتيجة التحرك الاحادي ضد العراق، والاثمان التي قبضت يوم تحرك معظم العالم لتحرير الكويت.

لكن الحسابات الاميركية الظاهرة حتى الآن لا تأخذ، كما يبدو، معطيات جديدة نشأت في الفترة الفاصلة بين الازمتين، وهي بمثابة الدروس التي استخلصها الآخرون من الازمة العراقية بمرحلتيها: الدولية والمنفردة.أولاً لا يكفي ان تكسب واشنطن باريس حتى تعتبر انها ضمنت المظلة الدولية المطلوبة، فباريس اليوم تؤدي دور "الطرف" بعدما كانت في السابق تؤدي دور "الحَكَم". واذا اردنا ان نبحث عن الجهة او الجهات التي تجعل الموقف الدولي موحداً علينا النظر الى أبعد من التحالف الاميركي – الاوروبي.

التحفظ الدولي هذه المرة، روسي – صيني – اقليمي. والاقليمي يبدو شاملاً لكل دول المحيط السوري الذي لا يتحمل بؤرة توتر شرق اوسطية ثانية كا يفصح جهاراً.

وهذا الموقف لا يشبه في منطلقاته موقف المعارضين الدوليين عندما كان البحث جارياً عن اسلحة الدمار الشامل العراقية. فآنذاك كان المعارضون ينتظرون فعلاً نتيجة التفتيش عن الاسلحة لتحديد موقفهم من الخطوات التالية للمجتمع الدولي تحت مظلة الامم المتحدة.

اما اليوم فان المعارضين انفسهم يتمنون ان تنجو سوريا من المأزق بغض النظر عن تورطها او عدمه في اغتيال الرئيس الحريري.

حسابات هؤلاء بسيطة، لها علاقة بالجيوبوليتيك اكثر مما لها علاقة بتطلّب العدالة. لكن هذا لا يعني ان المعارضين الدوليين انفسهم يستطيعون الاستهانة بقضية التحقيق في الاغتيال باعتبارها قائمة "بذاتها وتحتاج الى تعاون سوري "صادق وشفاف".

ما يتمناه المعارضون الدوليون هو أن تنجح سوريا في معالجة مأزقها بكشف حقيقة جريمة الاغتيال مع القدرة على انقاذ بعض النظام ان لم يكن انقاذه كله ممكناً.

هذه التمنيات الدولية، الاقليمية باتت تعتمد على اداء النظام السوري نفسه، وعلى هذا الصعيد تفرض المقارنة بين الاداءين السوري والعراقي نفسها.

قديماً كانت المقارنة لمصلحة سورياـ، وكان كثيرون يعتبرون ان رأسمال سورياـ سياستها، بينما سياسة العراقيين تبدد رأسمالهم، فهل لا يزال النظام السوري قادراً على اثبات استمرار هذه المعادلة؟

مصادر
النهار (لبنان)