من يقرأ الموقف السوري المتعلق بجريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، وخصوصا حين يتم الربط مع ما حصل في العراق من مقدمات على طريق احتلاله ومن ذرائع أسلحة الدمار الشامل وما يجري اليوم حول سورية، لا بد له أن يقف عند هذا الربط ويقول في نفسه: «ربما تكون دمشق على حق وربما تكون الولايات المتحدة تعد لتكرار التمثيلية «العراقية» إياها لكن بنص ودراما مختلفين، فإذا ما أخطأت وانفضحت هناك بسبب انكشاف كذبة الأسلحة، فعليها مع سوريا ونظامها ألا تخطئ في إدانتها بالجريمة وتشويه سمعة هذا النظام «الإرهابي» أمام الرأي العام الدولي».

نقول أن من يقرأ التفسير السوري وربما التفسير الذي نلحظه في تحليلات وتعليقات الكثير من الكتاب والمراقبين، لا بد له أن يتأثر ويتوقف مليا ويمعن التفكير حتى لو بدا له هذا الخطاب أحيانا مفوتا وخشبيا ولا ينسجم مع لغة العصر، ففي المشاريع الكبرى والتاريخية، كالتي تقوم بها وتخطط لها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وفي إطار السعي لتغيير الخرائط حسب ما تقتضي المصالح، في إطار ذلك كل شيء قد يكون ممكنا، وهنا لا بد من الغوص في النوايا البعيدة للدولة العظمى التي أمست وحيدة وتريد ترتيب المنطقة عن طريق «الفوضى البناءة» طبعا مع خطاب أنيق عن الديموقراطية وحقوق الإنسان .

لكن المراقب والمواكب للتفسير السوري ومن يتفق معه، ورغم أنه قد يكون صائبا، لا بد أن يلحظ أنه يفتقر الى الاقناع وأن مؤيديه مع مرور الوقت في تناقص ويبدو كما لو أنه بات أقرب للديماغوجيا منه الى الحقيقة، طبعا لأن ثمة ثغرات في الأداء تحول دون ذلك وأخرى في «السيرة الذاتية c,v » التاريخية تمنع التصديق واستذكارها يجعل البعض يفضل البقاء على مسافة مشككا .

نقول لماذا هذا النظام الذي يقدم تفسيرا ربما يكون صائبا لما يجري في المنطقة وما تحاول الولايات المتحدة الوصول اليه من مشاريع هيمنة وتسلط؟، لماذا يبدو عاجزا عن الاقناع وكسب الحلفاء والأنصار في لحظة تاريخية أحوج ما يكون اليهم ,؟ في هذا السياق تبدو جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري أكبر وأهم مثال على ما نحن فيه، فسوريا التي كانت موجودة سياسة وجيشا وأجهزة استخبارات وحلفاء في لبنان وعلى مدار أكثر من ثلاثين عاما، ورغم علاقتها الجيدة كما تصفها هي بالرئيس الراحل الحريري، رغم كل ذلك تبدو عاجزة عن قول شيء عملي ومفيد في هذه الجريمة التي هزت العالم وتكاد تهز أو تطيح نظام دمشق! صحيح أن سوريا ما انفكت تعلن براءتها من الجريمة واستعدادها للتعاون، لا بل استعدادها لتقديم كل متورط فيها ومحاسبته «كخائن» ، رغم ذلك كله لم تقدم شيئا يشبه الدليل القاطع على براءتها، نقصد الأدلة والقرائن «التي تملكها» بحكم وجودها الكبير ذاك في لبنان,!

إن المعارضة اللبنانية التي باتت اليوم في السلطة قدمت المئات، بل ربما الآلاف من الشهادات والأوراق والوثائق عن الجريمة، كذلك الولايات المتحدة، وربما فرنسا، ودول إقليمية عدة، وربما تكون من بينها إسرائيل، وهؤلاء كلهم لا نعتقد أنهم بخلوا على المحقق ديتليف ميليس بما لديهم عن الجريمة، أما سوريا فلم تعمل حسبما اتضح إلا على القول أنها بريئة وأن التحقيق «مسيس» وأن هناك «مؤامرة» عليها، من دون أن تقدم شيئا للرأي العام اللبناني أولا والعربي ثانيا والدولي ثالثا تثبت ما تدعيه.

إن الرأي العام اللبناني وغيره يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى لرواية سورية تفند الروايات الأخرى، حتى لو حملت هذه الرواية صفحات سوداء، فبمثل ذلك وإذا ما كانت دمشق بريئة ستعمل على كسب الكثير من محبيها والخائفين عليها وهم كثر جدا.

إن دمشق التي سوقت الكثير من المسلسلات الدرامية الناجحة وانجبت الكثير من الأدباء والشعراء والروائيين الرائعين، تبدو اليوم مكبلة وتفتقر الى المبدعين في السياسة، طبعا لا نقصد رواية سياسية متقنة الشكل و«تمثيلية» على حساب الحقيقة، بل رواية حقيقية تتضمن ما عندها عن الجريمة, وهذا يحتاج الى جهود كبيرة ولحظة صدق مع الذات, ولحظة مكاشفة تفضح من يتهمها إذا كانت تملك ما يدينه. إن اللحظة التاريخية التي تمر بها سوريا ويكابدها السوريون بسبب الاتهامات، تحتاج الى ذهنية جديدة ولغة تستطيع الاقناع ولن تكون كذلك إلا إذا كانت صادقة وحديثة وعصرية، ولن تستطيع كذلك إذا بقيت تخاطب الآخرين بلغة الماضي التي عفى عليها الزمن، وقبل ذلك فإن هذا لن يتحقق إلا بمزيد من الانفتاح والشفافية وبمزيد من الاعتناء بالداخل، وأيضا الإنتباه الى الخارج الذي يملك الكثير من الأفكار المسبقة عن دمشق والنظام فيها.

إن مهمة وأعباء كبيرة تنتظر سورية، فالايمان بالبراءة وحده لا يكفي، ومناصرة البعض لا يكفي، والتظاهرات الداخلية في الساحات والشوارع لا تكفي، إن ذلك كله يحتاج لرواية سورية خاصة عما حصل، كذلك فإن سوريا وفي سياق ذلك ربما تحتاج روايات كثيرة عن قضايا جوهرية ومصيرية لا تقل أهمية عن جريمة اغتيال الرئيس الحريري، فالوضع الراهن يحتاج رواية للداخل عن الإصلاح السياسي ورواية عن الاعلام الجديد والعصري، ورواية عن قانون الأحزاب ورواية عن قانون الطوارئ وأخرى عن الفساد و,,, و,,, طبعا شرط أن تكون روايات جديدة صادقة، مقنعة، شفافة، وربما جارحة كقصائد شاعر دمشق نزار قباني التي دخلت أفئدة الغالبية من دون استئذان.

مصادر
الرأي العام (الكويت)