بات لبنان أسير التقريرين، تقرير ديتليف ميليس والذي سيستكمل عبر تحقيقات يراد لها الكشف عن فصول مثيرة لم يتضمنها الجزء الاول من التقرير الذي قدم لمجلس الامن الدولي والتقرير الثاني الذي اعده وقدمه المبعوث الدولي تيري رود لارسن والذي أنيطت به مهمة تنفيذ قرار مجلس الامن الدولي رقم 1559 والذي عاد ليحمل سوريا بالدرجة الاولى مسؤولية تهريب السلاح الى لبنان ودعم المنظمات الفلسطينية وحزب الله، وملمحاً الى ان حزب الله لا يزال بسلاحه يشكل تهديداً للسلطة الرسمية اللبنانية•

لبنان امام تقريرين بل امام نارين ويحاول جاهداً عدم الانزلاق الى انعكاساتهما فحيال التقرير الأول يريد لبنان الفصل فعلاً -او بعض اللبنانيين- بين القرار 1559 و1595 بمعنى انه يريد المضي في التحقيقات حول مقتل الحريري لكنه بالمقابل لا يريد توظيف ذلك في خلق مناخات اضافية لسحب سلاح المقاومة وايضاً للاستفادة من اتهام مسؤولين سوريين باغتيال الحريري بتوجيه بعض القوى الدولية لفرض عقوبات ضد سوريا، وايضاً لبنان تحت نار تقرير لارسن الذي يرى بوضوح ان مبررات استمرار شرعية عمل المقاومة في جنوبي لبنان لم تعد قائمة وانه لا بد من تسليم حزب الله لأسلحته وكذلك جميع الفصائل الفلسطينية•

التوقيت الحذر

كان واضحاً من جملة مؤشرات على الارض رافقت توقيت صدور التقريرين ان شيئاً ما يتم الاعداد له•• ففجأة توترت العلاقة الميدانية بين بعض الفصائل الفلسطينية والسلطة اللبنانية وتحديداً مع فصيلين حليفين لدمشق هما الجبهة الشعبية- القيادة العامة التي يترأسها احمد جبريل والتي ورد في تقرير ميليس انها قدمت مساعدة ما في مسار عملية اغتيال الحريري، وحركة فتح الانتفاضة التي يتزعمها ابوموسى الموجود اساساً في دمشق• للفصيلين الفلسطينيين وجود عسكري واضح في بعض المناطق اللبنانية منذ اكثر من عشرين عاماً خاصة في منطقتي البقاع الجنوبي وتلال الناعمة وداخل المخيمات الفلسطينية، وكانت العلاقة طبيعية خلال الوجود السوري في لبنان ولم تقدم السلطات اللبنانية على أي خطوة باتجاه بحث الاوضاع العسكرية الميدانية للفصيلين• لكن ثمة ما تبدل الآن وكان لافتاً فتح ملف الانتشار العسكري ومن ثم الاقتراب من الاحتكاك معهما على غرار ما جرى في منطقة السلطان يعقوب في جنوب البقاع الغربي بعد مقتل احد المسّاحين العاملين مع الجيش اللبناني وكذلك قيام وحدات من الجيش اللبناني بمحاصرة بعض المواقع التابعة للفصيلين في البقاع وكذلك في الناعمة في وقت بات فيه الوجود العسكري الفلسطيني هو العنوان الابرز في سياق الملفات المطروحة على الساحة اللبنانية بما بدا انه يشكل اولوية تقدم بحث مصير سلاح حزب الله، كما لو انه يراد تحويل هذا الملف الى نموذج متقدم لما سيكون عليه الوضع في المستقبل مع سلاح حزب الله• وتنظر قوى فلسطينية بشيء من الحذر حيال هذا الطرح وترى ان الوقت غير مناسب لسحب كل السلاح الفلسطيني دون ان تكون هناك أية مبادرة لبحث ملفات اخرى تتعلق بمصير الفلسطينيين في لبنان ليس على المستوى الانساني والاجتماعي بل على مستوى المصير أي ان الجانب الفلسطيني يريد تسوية وضع السلاح من خلال حل ما وليس مجرد سحب السلاح وترك سكان المخيمات في عراء الاحتمالات• وفي ظل ما يعيشه لبنان من تناقضات مما يعني ان الوجود المدني الفلسطيني عندها سيكون امام مخاطر ليس اقلها امكانية تكرار الاحتكاكات او التعرض للمخاطر•

ويتعاطف فرقاء لبنانيون مع هذا الطرح سواء في السلطة او خارجها، فالبعض في السلطة يرى انه لا بد من اثارة القرار 194 الذي يدعو لايجاد حل للاجئين الفلسطينيين بالعودة الى ديارهم ومن هو في خارج السلطة يرى في سحب السلاح الفلسطيني مقدمة لتكريس واقع سياسي وأمني جديد في البلاد على حساب بعض الخيارات والثوابت بما يخدم الجانب الاسرائيلي وايضاً مندرجات قرار مجلس الامن الدولي رقم •1559

الخيارات الأصعب

وبالمحصلة فإن ترابط هذه الخطوة لا يمكن اغفاله لان اي احتكاك مع اي فصيل فلسطيني سيقود الى احتكاكات مع المخيمات ومن ثم سيتقاطع ذلك مع حلفاء لبنانيين من قوى سياسية عديدة على الارض، كما ان ذلك سيتقاطع مع البعدين السوري والايراني بما قد يعني تدخلاً دولياً واقليمياً أيضاً وفي طليعة ذلك ما قد تقوم به اسرائيل في مراحل لاحقة، وهنا تشير مصادر موثوقة الى وجود مسودة مشروع لانشاء ما سيسمى بالخط الازرق ايضاً والذي سيفصل ما بين لبنان وسوريا تحت مراقبة دولية بحجة منع تهريب الاسلحة الى لبنان• ان بعض العواصم العربية سارعت الى تقديم نصائح بضرورة عدم الانزلاق الى مخاطر المواجهة وانه لا بد من القيام بحوار عقلاني لايجاد نوع من التهدئة والوصول الى حلول مقبولة وعكس ذلك سيتعرض لبنان للكثير من المخاطر•

لكن من الواضح ان التحولات التي تشهدها الساحة اللبنانية على خلفية ما جرى في مجلس الامن سواء حيال ابعاد تقرير ميليس وما قد يشهده هذا الملف مستقبلاً خاصة حيال المدى الذي سيصل اليه سورياً، وايضاً تقرير لارسن فان الامور تبدو انها تتجه نحو الخيارات الاصعب في ظل معلومات متداولة تعززها تقارير دبلوماسية غربية عن ان الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا وفرنسا تريد المضي بعيداً في ممارسة الضغوطات على دمشق وستعمد الى فرض عقوبات عليها في سياق ما تريده مستقبلاً من العاصمة السورية، وهكذا توجه لا بد وان يترك انعكاساته المباشرة على الوضع اللبناني امنياً وسياسياً واقتصادياً أيضاً كون فرض المقاطعة على سوريا سيؤثر اقتصادياً على لبنان• واستناداً الى المواقف السورية المعلنة وغير المعلنة يبدو ان الامور تتجه نحو حتمية المواجهة وهو ما يعني ان تطورات غير عادية قد يشهدها لبنان في مستويات مختلفة وهذا ما يفرض منحنيات معينة قد تبدل من خارطة المواقع الراهنة خاصة اذا ما اخذ ذلك بعض هوامشه الامنية في ظل تعقيدات واضحة من اهم مؤشراتها ان حزب الله ليس واردا في حساباته تسليم اسلحته في هذه المرحلة كذلك بعض الفصائل الفلسطينية وان اي اصرار على ذلك يعني فرض المواجهة العسكرية التي لا يعرف احد الى أي مدى قد تصل• ان لبنان بين نارين، بين تقريرين والمفاجآت هي سيدة الاحتمالات القادمة•

مصادر
الاتحاد (الإمارات العربية المتحدة)