لم يكن ديتليف ميليس يعرف كثيراً ما ينتظره في لبنان. والصورة الموجودة لديه، اعدّها على عجل مساعدو نائبه غيرهارد ليمان (او ر. ب.) الاسم الثاني لرجل المخابرات الالمانية، الذي تكشف الوقائع الجديدة انه يعرف لبنان جيداً. والمقدمات المتصلة بوضع لبنان ما بعد 14 آذار، كانت العنصر الحاسم في تجاهل مبدأ التحفظ، وتاليا، تجاهل الخشية من وجود رأي عام يدقق، او جهات حقوقية تحاسب، او هيئات قضائية تعمل على مراقبة مستقلة لعمل لجنة التحقيق.

خلال ايام قليلة، سوف يرتفع الصوت. لكن هذه المرة من برلين نفسها. حيث باشر محامون وناشطون في البرلمان وهيئات حقوق الإنسان اوسع عملية تدقيق في ما يقوم به ميليس ورجاله. وجل هؤلاء يعتقدون ان ميليس يعمل بقيادة ليمان، الالماني الممتشق القامة، والكثير الحركة والاتصالات، والذي يواجه ملفات خطيرة، بينها <<الكذب تحت القسم>>، علما بأنه اكثر من احترف مبدأ <<المداورة والمناورة>>، خصوصاً في مجال عقد الصفقات خارج الاطار القانوني. يوم جاء مراسل <<الفيغارو>> الى بيروت، تولى نجيب فريجي، المسؤول السابق عن اعلام الأمم المتحدة في بيروت ترتيب اجتماعه بميليس. حصل اللقاء، وقيل فيه الكثير. وبعد نشر المقالة، تعرض ميليس، من داخل لجنة التحقيق ومن خارجها، إلى <<تنبيه>> فاضطر الى توضيح ظل دون مستوى الاعتذار، لكنه ألقى بالمسؤولية عن الامر على فريجي، ثم حاول المضي بعيداً، لولا ان تلقى رسالة من ادارة تحرير الصحيفة الفرنسية، تهدد بمقاضاته اذا لجأ الى النفي او الى التشهير بمراسلها.

ومساء كل يوم، كان ميليس ينام مسروراً، وهو يقرأ ترجمات لمقالات صحافية في بيروت ولتصريحات تمجد بحرفيته وبمهنيته واستقلاليته، وتطلق عليه ألقاباً عجيبة وغريبة، ليس اقلها <<الثعلب الحليق الشعر>>. وهو لم يكن يحتاج الى المزيد من هذه الثناء، حتى يعمد الى تظهير لامبالاته بالمؤسسات القانونية والقضائية في بيروت، وفي مقدمها اقطاب فريق التحقيق اللبناني، وظل الامر كذلك، حتى موعد مؤتمره الصحافي الشهير، غداة توقيف الضباط الاربعة، وبدا امام مجموعة لا تواجهه بحقيقة ما يقوم به. لكن ميليس يعرف ان ما في لبنان، لا مكان له في الخارج. فاضطره الامر في نيويورك، الى الجلوس قبالة الصحافيين، كأنه امام هيئة محلفين، فجأة لم يعد <<مالكا للحقيقة>>، بل صار موضع مساءلة، مربكا، محرجا، قلقا ازاء سيل من الاسئلة المشككة في طريقة عمله. وليس أقله، في أمر النسختين اللتين سربتا عن تقرير لجنته الى الامين العام للأمم المتحدة. في برلين، ثمة نقاش من موقع مختلف مع الرجل الآتي من قضايا ملتبسة عناصرها السياسية وعناصرها القانونية. والنقاش هناك، لا يتعلق بحقوق موقوفين او مشتبه بهم او مشهر بهم، بل في اصل التورط الالماني في عملية كهذه. والخناق يشتد، بعدما تخلى ميليس عن قسم كبير من فريق التحقيق، وأنهى العقود مع عشرات من الذين أتوه من دول اخرى. وحافظ على وجود الفريق الالماني الذي يثق به، وهو الفريق الذي له ملفات حافلة لدى القضاء الالماني، ولدى الجهات الحقوقية المتابعة، والفريق الذي يستعد لكلام واضح في هذا المجال، همه يتصل بأن في ألمانيا من يستعجل تعميم تجربة <<غوانتانامو>>، وان هناك من يستسهل تجاوز القواعد المنطقية، واللجوء الى حيل وأساليب غير شرعية، لتحقيق اهداف سياسية، تصب في خدمة جهات لا تحصى بينها من يقف وراء لجنة التحقيق الدولية.

وبانتظار ذلك، سوف يتحرك ملف التحقيق عندنا بآلية جديدة. التقرير الذي اعده ميليس كان برأي البعض <<قاصراً>> لناحية طريقة الإعداد والكتابة، وهناك حتى الآن، اكثر من عشر مطالعات، بات معظمها في حوزة المعنيين في لبنان والأمم المتحدة، وحتى في مكتب المستشارية في ألمانيا، وهذه المطالعات تكشف عن نقص فادح في الحرفية والمهنية في طريقة كتابة التقرير، وفي طريق التقديم واجتزاء الشهادات والافادات، وفي الاستنسابية في ابراز افادات وتجاهل اخرى، وفي عرض الوقائع على شكل اتهامات وشكوك بطريقة لا تتناسب تماما مع الخلاصات التي تقود بحسب قانوني ألماني بارز الى استنتاج مفاده: <<ان هذا التقرير، لا يصلح أساساً للائحة اتهامية، وهو تقرير لا يتيح لمن يقف خلفه الذهاب الآن الى المحكمة>>.

في بيروت، ثمة مقاربة مختلفة، وفريق التحقيق اللبناني يعيش هواجس من نوع آخر وأسئلة من بينها: لماذا كتب ميليس التقرير بهذه الطريقة المتعجلة؟ وماذا قصد يوضع اسماء ثم بسحبها بطريقة مثيرة؟ ولماذا تعمد إخفاء بعض المعطيات الاضافية التي قد تفيده في سياقه الاتهامي؟ وما الذي قصده من وراء بث الشبهة ضمن السطور ثم نفيها بلسانه؟

لكن فريق التحقيق الذي يتسلم حتى اللحظة معظم اوراق التحقيق الذي اجرته لجنة التحقيق امام صدمة من نوع آخر: <<لقد اعادوا إلينا ما كنا قد ارسلناه، ولم نشعر بأنهم تقدموا عما وصلنا إليه في التحقيق اللبناني>>. يقول مسؤول بارز في فريق التحقيق اللبناني ويضيف: <<قال لنا ميليس شفهيا ان لديه الادلة الكافية، لكنه لا يستطيع إبرازها الآن، وتحدث امامنا عن اشياء كثيرة، ولكنه لم يقدم لنا ما يفي بالمطلوب. وبالتالي، لا مجال الآن للبدء بإعداد القرار الظني>>.. لكن هذا المسؤول يصمت عن الكلام عندما يصبح السؤال مباشرا: <<هل من ادلة تحسم تورط من يتهمهم ميليس بالتورط في الجريمة؟>>.

وبحسب السياق القانوني، سوف يتقدم المحامون عن الموقوفين الاربعة، وعن آخرين من الذين وضعوا الآن في السجن، بمذكرات تستند في مضمونها الى ثلاث وثائق رسمية: التقرير الاجرائي الاول لميليس، والتقرير الاتهامي الاخير، والى اوراق الاستجواب التي جمعت في مقر لجنة التحقيق وأمام قاضي التحقيق العدلي في لبنان، وهذه المذكرات سوف تطالب قاضي التحقيق، ومن خلفه النيابة العامة، بالعمل سريعا على مواجهة الموقوفين والمشتبه فيهم بما هو متوافر من ادلة وشهود ووقائع تبرر استمرار توقيفهم. وإذا لم يحصل ذلك، فسوف يكون القضاء اللبناني امام مواجهة قانونية، سرعان ما سوف تتحول سياسية، خصوصا ان الاجراءات اللوجستية التي ترافق عمليات الدهم والتوقيف والمراقبة والمتابعة من قبل الاجهزة اللبنانية، باتت بدورها تحت المراقبة، وثمة لائحة بالاخطاء المرتكبة، وبالاشخاص الذين يمارسون نفوذاً من خارج المؤسسات الرسمية على عمل هذه الاجهزة، وهذه اللوائح سوف تستكمل لتكون بين يدي الجمهور، خصوصا ان احد البارزين في لجنة التحقيق الدولية اعرب عن شكواه، من <<محاولة إغراق اللجنة بشهادات وإفادات ومعلومات غير صحيحة، لا سيما ان مصدرها جهة واحدة، هي جهة الادعاء>>.

الامر الآخر يتصل بالمرحلة المقبلة من التحقيقات. واللجنة التي شكلتها سوريا يجب ان تعمل وفق القوانين السورية، لكنها سوف تتلقى سيلا من الطلبات، سواء من جانب لجنة التحقيق الدولية، او من جانب القضاء اللبناني، من أجل البحث عن اشخاص، وتقديم وثائق تخص المعابر الحدودية وحركة النقل على الطريق العسكرية، وتتخطى ملفات لعناصر ومسؤولين امنيين سوريين. ولكن ليس واضحا ما اذا كانت هذه اللجنة، بحاجة إلى بروتوكول خاص، على شاكلة ما هو قائم الآن، بين لجنة التحقيق الدولية ووزارة العدل اللبنانية، والامر يعود الى ان لجنة التحقيق سوف تطلب رسميا من سوريا، توقيف اشخاص مشتبه فيهم، لكن المشكلة هي ان سوريا سوف تسأل عن المبررات القانونية لخطوة من هذا النوع.. والسؤال هنا: هل ميليس مستعد لإعطاء السلطات القضائية السورية ما رفض ان يعطيه للسلطات القضائية اللبنانية؟

الأرجح اننا امام مواجهة جديدة، وأمام عملية كسب للوقت، يسعى إليها ميليس هذه المرة، وهو الذي فهم من مداولات في نيويورك وفي بيروت، ان احتمال فتح مدة التحقيق الدولي من قبل مجلس الأمن الدولي، احتمال قوي، لكنه ينتظر تقريره الجديد في العاشر من كانون الأول المقبل!.

مصادر
السفير (لبنان)