بعد النص الانشائي الطويل الذي شكله تقرير ميليس، يأتي نص مشروع القرار البريطاني الفرنسي، ليبسط وجهين مختلفين تماما: ففي شقه الاتهامي لا تختلف لغة خطاب الديبلوماسيين الفرانكو- ساكسون عن لغة القاضي الالماني، لكأن لغات الغرب كلها تقرر العودة الى خطاب الحجّاج فتتبنى خطاب النوايا بل وتقدير النوايا وفرض العقوبات بناء عليها، متخلية عن الموضوعية العلمية، وعن الخطاب القانوني القائم على الوقائع والقرائن، اما في شقه المطلبي، فإن مشروع القرار، يأتي مكملا للتقرير، في تحديد المطالب الدقيقة التي على سوريا تلبيتها والا تتالت الخطوات التي تتماثل كليا مع السيناريو العراقي.

في الشق الاول يضع المشروع امامنا مصطلحات وتعابير غريبة في ضبابيتها، وابتعادها عن اية صيغة يمكن ان تقبل في اية محكمة، من مثل: “سبب محتمل للاعتقاد من ان قرار الاغتيال لم يكن ليتخذ من دون موافقة المسؤولين الامنيين السوريين، ولم يكن ممكنا ان ينظم من دون تواطؤ المسؤولين الامنيين اللبنانيين”.

اذن، احتمال واعتقاد، يزينهما افتراض آخر يقوم على التصور “من الصعب تصور سيناريو يتم فيه الاغتيال من دون علمهم” ليصل فجأة ومن دون احترام لمصداقية المقدمات الى اعتبار عملية الاغتيال “تهديدا للأمن والسلام العالميين” وذلك كي ينطبق عليها البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يمكن ان يتم بمقتضاه التوصل الى فرض العقوبات على سوريا. وذلك بعد مطالبتها بسلسلة مطالب تعجيزية، تشكل في حد ذاتها استباحة كاملة للسيادة السورية كما يشكل كل منها ثغرة كبيرة مطاطة يمكن العبور من خلالها وفي كل لحظة الى تشديد الخناق اكثر فأكثر، في سيناريو مطابق تماما لسيناريو المفتشين الدوليين في العراق. ذاك ان القرار يستعمل تعبير الاباحة نفسه، صراحة، حيث ينص على وجوب التزام سوريا بتأمين كل ما يريده المحققون من: “اتاحة، اعتقال، تحرك داخل البلد، وتحقيقات من دون حضور المسؤولين السوريين” للتوصل الى كل من أسهم في “التخطيط والتمويل والتحضير” على كل ما تحتمله هذه المصطلحات من عمومية وتفسيرات، وما تمثله من مداخل.

بعد هذه الاباحة يأتي التهديد الخطير الذي يجعله القرار سيفا مسلطا، حيث يعتبر ان “تورط اي مسؤول سوري يشكل خرق سوريا للالتزام بعدم دعم الارهاب ولالتزاماتها باحترام سيادة واستقلال لبنان السياسي” خاصة بعد ان جاءت عبارة تبني: “استنتاجات اللجنة التي تشير الى الاشتباه بالدور السوري” لتضع دمشق في دور المتهم الذي عليه ان يفعل كل ما يطلب منه لإثبات العكس، فيما يخالف القاعدة القانونية التأسيسية. وهنا نصل الى مربط الفرس، فما هي المطالب الحقيقية التي على سوريا تلبيتها كي تنجو من التهديد، علماً بأنها لن تنجو في كل الاحوال من الاستباحة والاحتلال المقنّع، وغير المكلف للمحتل، ومن الضغط السياسي والاقتصادي الذي يجعل من الانهاك وسيلة تأمين الرضوخ الكامل، سواء من قبل النظام أو من قبل الشعب؟

المطالب تتلخص في الشق الثاني، الواضح والجاد، في تحديده:

ثلاثون مرة في اربعة وثلاثين بنداً ترددت كلمة الارهاب، ليخلص مشروع القرار الى مطالبة سوريا بأن: “تتعهد نهائيا بوقف دعمها لكل اشكال الاعمال الارهابية وكل المساعدة للجماعات الارهابية، واظهار هذا التعهد بتحركات جدية”.

فما هي كل اشكال الاعمال الارهابية؟ وما هي التحركات الجدية؟ وما هي النتائج القانونية التي يفترض ان تترتب على دمشق اذا لم تقم بتلك التحركات؟

الاعمال الارهابية، بتعريف الغرب، هي كل عمل مقاومة عربي يستهدف “اسرائيل” او المشاريع الغربية الاستعمارية في بلادنا، ويستهدف تحديدا مقاومة مشروع الهيمنة الامريكية “الاسرائيلية” على الشرق الاوسط الكبير.

في حين يبدو الآن ان الغرب الاوروبي بشقيه: ذاك الذي قادت بريطانيا اصطفافه وراء الولايات المتحدة، وادارتها المتماهية تماما مع الصهيونية في العدوان على العراق، وذاك الذي قادت فرنسا يومها محاولته في مقاومة هذا الاصطفاف، قد التأم في عملية خنق سوريا، وفرض التيار المتأمرك المتأسرل في لبنان. إذ إن جماعة الشق الثاني قد ندموا، وقرروا التعويض في الموضوع السوري.

وان لم تكن كلمة الندم دقيقة في التعبير عن واقع الحال السياسي، فإن الأدق هو ان ثمة صراعاً تاريخياً بين خطين اوروبيين وفرنسيين قد اتجه الآن في اتجاه لا يتلاءم مع مصالح العرب. والمقصود هو ذلك الصراع بين خط يعتبر ان مصلحة فرنسا هي في التمايز عن الولايات المتحدة، في سياستها شرق الاوسطية، انطلاقا من مبدأ ارساء الاستقلالية الاوروبية، وتحقيق مصالح اوروبا في العالم على هذا الاساس، وخط ثان يعتبر ان الغرب، امريكي واوروبي يشترك في القيم والمصالح وعليه ان يعمل بتحالف كامل ومتماه في مواجهة الاعداء المشتركين، مما يؤمن المصالح عبر اقتسام المكاسب المحصلة بأي شكل من الاشكال بما فيه القوة والقهر.

واذا كانت مناقشة مسؤولية العرب عن هذا التحول تحتاج الى موضوع مستقل، فإن استكمال موضوعنا يقتضي العودة الى الاسئلة، المطروحة، بدءا من تحديد مشروع القرار لأشكال الارهاب، حيث ينص على: “الارهاب بكل اشكاله وتجلياته” ليتركنا نتساءل: ما هي الاشكال والتجليات؟ وهل هناك ما لا يمكن ان يدخل في نطاق هذا الكل؟ فقد يصبح مقال صحافي او خطبة في تجمع (مسجد او كنيسة او حزب...) عملا ارهابيا، قد يصبح تصريح سياسي عملا ارهابيا، او بتحديد دقيق اي عمل لا يناسب “اسرائيل” والغرب. غير ان المقصود الاساسي وبإلحاح كبير الآن هو المقاومة العراقية بالدرجة الاولى والمقاومة الفلسطينية بالدرجة الثانية.

ويبقى السؤال: هل اصبح هذا القدر امرا من باب: لا حول ولا... ام ان هناك مداخل كثيرة للخروج من المأزق، خاصة ان النص المذكور لايزال مشروع قرار، ينتطر حراك مجلس الأمن؟ والجواب بسيط: الامريكيون يشددون الخناق لأنهم في مأزق اكبر، والاوروبيون ينحازون الى الصف الامريكي لأن مراكز القوى العربية لا تحاور مصالحهم بعيدا عن الامريكيين... وخارج هذين هناك قوى دولية اخرى، وهناك امكانية دور ديبلوماسي عربي. من هنا فإن امكانيات التحرك لاتزال متاحة، اذا ما عاد لهذا الجسد العربي الميت شيء من الحراك. وإلا فإن الحبل الذي صفقت له “معاريف”، انما يشتد على عنق العرب جميعا، ليصبح اشبه بذلك الحبل الذي رأيناه حول عنق سجين ابو غريب، وطرفه الآخر بيد مجندة امريكية.

مصادر
الخليج (الإمارات العربية المتحدة)