الوصف البريطاني "المتوتر" لجريمة اغتيال الرئيس الحريري حمل تعبير "جريمة على طريقة العصور الوسطى"، بينما كان الرد السوري بأن التحقيق هو على شاكلة العصور الوسطى أيضا، وداخل هذه المساجلة يبدو أن قدرة التواصل والتعبير يحملها القلق داخل الدبلوماسية التي تأرجحت كثيرا قبل أن تنتقل سورية من عضوية مجلس الأمن إلى قضية داخله.

والقرار الدولي اليوم يحمل بالفعل سمات العصور الوسطى في جانب واحد فقط مرتبط بعملية التواصل، بعد أن تم اختراق التفاهم والحوار وغيرها من المصطلحات التي سيطرت على الثقافة الدبلوماسية. حيث تقدم سورية في كل لحظة الرغبة في التعاون مع أمثلة عنه، بينما تظهر ردود الفعل بأشكال مختلفة لا توحي بأن المسألة مرتبطة بـ"التعاون"، بل في عمق الشرخ السياسي الذي تعمق منذ احتلال العراق، وكرس مرحلة سياسية عالمية وليس فقط سنوات من الافتراق ما بين سورية والولايات المتحدة.

بالطبع فإن الولايات المتحدة ليست العالم، ولكن القراءة لما حدث على امتداد السنوات الأربع الماضية يقدم مؤشرا على لغة مفقودة حتى مع التسليم بأن إدارة المحافظين الجدد تريد أن تطوع المنطقة على وفق استراتيجيتها، إلا أن الواضح أيضا أن فهم العالم المتغير يحتاج لصياغة تواصل جديد معه ليس عبر الكلمات الدبلوماسية بل أيضا على استيعاب النظرة التي بدأت تحكم الكثير من الدول تجاه موضوع "عدم الاستقرار" أو العلاقة بين الصورة التي خلفتها الحرب الباردة وما يجب أن يكون اليوم، وذلك بغض النظر عن اقتناعنا بأن "الشكل الجديد" للعالم عادل أو مقنع.

الولايات المتحدة ليست كل العالم، وهي تقوم بعمليات الاستباحة في مرحلة الانتقال ما بين بقايا الحرب الباردة والصورة المستقبلية للتنافس الجديد ما بين القوى الموجودة، علما أن هذه القوى لا تملك التوازن المطلوب لاستقرار نظام دولي جديد. ووسط هذه التقلبات فإن صورة الدول يعاد تشكيلها تارة على مقاس الإرهاب وأخرى على سياق "الليبرالية" وفي كلا الحالتين فإن الدول ربما تتعرض لضغوط لكنها تحتاج لتحديد مسارها وسط خطر التحولات الدولية.

ومجلس الأمن بالأمس نقل الصورة الأكثر دراماتيكية للتصادم ما بين "الإحساس بالحق" و "إقرار هذا الحق". فالمسألة ليست في تفنيد رواية المحقق الدولي أو ربما التذكير بإهمال مجلس الأمن لقضايا ذهب ضحيتها الآلاف، بل أيضا معرفة طبيعة المفصل السياسي للاستفادة منه وعدم تحميله فوق طاقته. فالإقناع ليس وسيلة سياسية بل ثقافية، وما يحكم السياسة هو شكل المصالح الدولية التي يعاد تشكيلها اليوم.