لا نريد الخوض بنتائج تقرير (ميليس)، فقد خاضت فيه صحافتنا السورية والعربية والدولية، والأخيرتان خاضتا الموضوع بطريقة (كل يغني على ليلاه) ولكننا نود أن نطرح تساؤلاً ربما أثاره البعض لكنه لم يفصله أو لم يدخل في بعض نقاطه الهامة... من أين بدأ التحقيق؟

القاضي ميليس وهو الرجل الذي وصفته وكالات الأنباء الأمريكية ومن لف لفها من وكالات أو قنوات فضائية عربية بأنه (رجل نزيه بعيد كل البعد عن اللامنطقية وأنه حرفي من الطراز الأول) ونحن في سوريا وبحسن نية (رغم أنه لا يوجد حسن نية في السياسة) حاولنا أن نتابع هذه النزاهة، وكانت أمنيتنا أن يكون كما وصفته الوكالات والصحافة..

لسنا الآن بصدد وصف الرجل أو شتمه (فهذا ليس من تقاليد الصحافة الجادة) ولكننا بصدد سؤال هو: من أين بدأ التحقيق؟ يبدو أن السيد ميليس لم ير في لبنان إلا أولئك الذين حملوا الأعلام اللبنانية في 14 آذار، وتظاهروا في الساحات، ورددوا هتافات لم يفهم ميليس مغزاها أو الأهداف من ورائها، ويبدو أن السيد ميليس قد وصلت إليه ترجمتها دون العودة إلى خلفياتها، وهذا أمر طبيعي إذ إن من قاد هذه المظاهرات لا مصلحة له بأي من شكل من الأشكال في شرح ما وراءها للمحقق الألماني الذي لا يعرف أصلاً طبيعة العلاقة السورية اللبنانية إلا من خلال تقارير قرأها أو قدمت إليه من جهات قد تكون وزارة الخارجية الأمريكية أو الفرنسية أو قيادات المجموعات اللبنانية التي شاركت بالمظاهرات ونظمتها، وكالت عبارات (الشتائم) لسوريا.

بالطبع لم يكن باستطاعة المحقق العودة إلى الملف السوري اللبناني منذ السبعينيات وحتى تاريخ خروج الجيش السوري من لبنان لأن هذا الملف بما يحويه من تفصيلات ووثائق وأحداث يحتاج لمن يريد الإحاطة به إلى سنوات.. وهذا يقودنا إلى أن المحقق بدأ (تاريخياً) من الزمن الذي دخل فيه إلى لبنان دون أن يحمل أي خلفية أخرى (هذا إن افترضنا النزاهة) رغم أنه حاول من خلال تقريره أن يظهر للقارئ معرفته بالعلاقة السورية اللبنانية وذلك من خلال فقرة قدّم فيها نبذة تاريخية عن العلاقات السورية اللبنانية (تاريخياً) وكانت هذه النبذة لا تخلو من الخطأ.

قد يسأل أحدهم إذن من أين يمكن أن يبدأ التحقيق؟..

لو أن السيد ميليس استعمل عينه وأذنه الأخريين، ولم يستعمل عيناً وأذناً واحدة لشاهد مئات الآلاف من اللبنانيين الذين تظاهروا بعد مظاهرة 14 آذار، ولو أنه اقترب من الجهة الثانية واستطلع رأيهم وحقق بما يعرفونه عن علاقة الشهيد رفيق الحريري بسوريا لانقلب تقريره رأساً على عقب، ولو أن المحقق استمع إلى الرأيين معاً وأجرى تقاطعاً فيما بينهما لوصل إلى نتائج تختلف كل الاختلاف عما وصل إليه اليوم... ولو أنه تساءل قبل البدء بالتحقيق: من هو صاحب المصلحة باغتيال رفيق الحريري؟ لاختلفت الصورة..

إذن دعونا نتعرف أولاً على رفيق الحريري، ومن هو؟ وبالطبع النقاط المتعلقة بظروف اغتياله.. للحريري تاريخ طويل ومشرّف يحتاج إلى مؤلفات للحديث عنه..

إن من يسمون أنفسهم بالمعارضة اللبنانية (جماعة 14 آذار) لم يكن أحد منهم على وفاق مع الحريري في يوم من الأيام باستثناء البعض من الذين كانوا يمسكون العصا من منتصفها، ولكي نشرح موضوع العصا علينا أن نتحدث عن المواقف السياسية فيما يتعلق بخارج لبنان وليس الخلافات الداخلية، رغم أن خلافات الداخل اللبناني حول انتخابات المجالس و... الخ لها علاقة بالنهاية بموقف الفائز منها..

إسرائيل:

ترى إسرائيل أن على لبنان أن يوطن الفلسطينيين في المخيمات، وأن عليه سحب أسلحة الفلسطينيين وإبقاءهم مجردين من السلاح، وهذا يعني أن الحدود اللبنانية الإسرائيلية أصبحت تحت تصرف إسرائيل دون أن يمتلك أحد القدرة على صد العدوان المتكرر، أما فيما يتعلق بتوطين الفلسطينيين فالهدف الإسرائيلي منه إبقاؤهم خارج الأراضي المحتلة، وبهذا تستطيع حصر بعض (النمو الديموغرافي الفلسطيني) الذي يقلق إسرائيل ويقضّ مضجعها..

أرادت إسرائيل سحب أسلحة حزب الله وتحويله إلى حزب سياسي كأي حزب لبناني رغم أنه يشكل أغلبية، لكن هذه الأغلبية لن يكون لها قيمة سوى في الصراع السياسي اللبناني الداخلي كون الأغلبية جردت من أسلحتها، وبالتالي ضمنت إسرائيل حدوداً آمنة سواء من خلال (سحب أسلحة حزب الله و أسلحة الفلسطينيين) رغم أن الصراع العربي الإسرائيلي لم ينته بعد، وهذا يعني أن الحرب العربية الإسرائيلية ستصبح حرب مسلحين وعُزّل محسومة لصالح إسرائيل.. بتصورنا أن جميع ما سبق هو معروف لكل عربي أو غربي متابع لما يجري على الساحة العربية، لكننا وددنا التذكير به لأن الشهيد رفيق الحريري كان له موقف مما سبق وهو بالتالي:

- لا لتوطين الفلسطينيين.

- لا لسحب أسلحة المخيمات.

- لا لسحب أسلحة حزب الله.

- لا لفصل المسارين السوري واللبناني في عملية السلام.

ولعل ما ورد على لسانه في صحيفة السفير قبل استشهاده بفترة هو خير دليل على ذلك إذ قال: (أرفض أن يعطيني أحد دروساً في الوطنية والقومية، والجميع تلاميذي في هذا الصعيد، أنا لا أختلف مع حزب الله وموقفي ثابت من الصراع العربي الإسرائيلي) وختم الحريري حديثه بقوله: (عندما يتعلق النقاش بالمصالح الاستراتيجية فأنا أول المدافعين عنها).

كذلك أوردت المستقبل في عددها الصادر في 2 تشرين الثاني 2004 التالي: (إن تطورات كثيرة حفل بها الأسبوع المنصرم تكشف مزيداً من التشرد الأمريكي وتنذر بإخضاع لبنان لوصاية دولية) وورد في نفس العدد: (عبّر رفيق الحريري عن قلقه ومعارضته للتوجهات الجديدة للكونغرس الأمريكي حول طلب الكونغرس من بوش تجميد أموال سوريين من أجل زيادة الضغط على سوريا، وأعرب عن قلقه للسفير الأمريكي في لبنان حيال التقارير الصحفية التي تطلب فرض عقوبات على مسؤولين لبنانيين وسوريين فيما يتعلق بدور سوريا في لبنان) والأهم من ذلك ما ورد على لسان الحريري من مواقف في اللقاء الصحفي الذي أجرته معه صحيفة السفير قبل يوم من اغتياله.

وفي الحقيقة لو أردنا أن نورد جميع ما صرح به الحريري تجاه سوريا وتأكيده على وحدة الشعبين وتطابق وجهات نظره التي أوردناها سابقاً (النقاط الأربع السابقة وغيرها) لاحتجنا إلى مجلدات، لكننا نستطيع أن نجزم بأن علاقة الحريري بسوريا كانت علاقة جيدة وحميمية ومتطابقة، وفي نفس الوقت كانت النقاط الأربع السابقة تمثل خلافاً حاداً بين الحريري وبين (معارضة 14 آذار).

النقطة الوحيدة التي قد يكون اختلف عليها الحريري مع سوريا هي موضوع التمديد للرئيس لحود... في حين (اتفق فيها مع معارضة 14 آذار) أي أنه اتفق مع سوريا على كل شيء واختلف معها بنقطة واحدة، في حين (اختلف مع معارضة 14 آذار على كل شيء واتفق معها حول موضوع التمديد)..

ولا أحد يدري موقف الحريري الحقيقي من موضوع التمديد للرئيس لحود، فهناك احتمال لم يضعه (المحقق ميليس) في الحسبان، بأن الحريري قد يكون اتفق ووافق على موضوع التمديد رغم خلافاته مع الرئيس لحود إلا أنه كشخصية متوازنة كان يضع المصلحة اللبنانية السورية فوق كل الخلافات الشخصية، ويمكن أن يكون قد قال (لمعارضة 14 آذار) بأنه غير موافق على التمديد كي لا يخلق جواً مشحوناً جديداً يضاف إلى الأجواء المشحونة القائمة أصلاً بينه وبينهم.

ولكن ماذا فعل ميليس؟

استمع إلى شهادات (معارضة 14 آذار) وأهمل شهادات المناوئين لهم، ولم يسأل نفسه هل هذه الشهادات صحيحة؟ وهل يمكن إثباتها بعد أن توفي الحريري؟ خاصة وأنها جميعها بنيت على أن (الحريري قال لي كذا وكذا!) وشهادة أخرى (إن الرئيس الأسد هدد الحريري!!) الخ... ولكن:

أين الحريري ليقول هذا صح أم خطأ؟!.. وأين الرأي الآخر؟ هل لبنان هو فقط (جماعة 14 آذار).. إذن من أين أتت مئات الآلاف المناهضة لهذه الجماعة؟ وأين آراؤها ومحاضر استجوابها وشهاداتها.. هذا يذكرنا بأحد الصحفيين العرب المشهورين الذي كلما أراد أن يبرهن على فكرة سياسية خطرت بباله يستشهد (بحديث جانبي بينه وبين أحد الزعماء العرب الذين غادروا الحياة) فيقول: (أسرّ لي فلان رحمه الله بكذا وكذا..) ولم يستشهد حتى الآن رغم جميع أحاديثه بزعيم أو وزير هو على قيد الحياة...

ماذا يحصل الآن؟..

- استشهد الرئيس الحريري صاحب الثوابت الوطنية والقومية ونخص منها النقاط الأربع السابقة.

- خرجت سوريا من لبنان التي كانت تحافظ وتحمي هذه الثوابت التي تلتقي فيها مع الشهيد الحريري.

- بدأت التحركات من خلال (معارضة 14 آذار) للخروج عن هذه الثوابت تارة من فوق الطاولة وأخرى من تحتها..

ولكن ماذا يؤكد كلامنا هذا؟

في حديثه إلى قناة الجزيرة (14/10/2005) قال جبران تويني: (موضوع السلاح الفلسطيني ليس موضوعاً جديداً.. طرح بالأمس ومازال مطروحاً منذ أن اتخذ قراراً بأن لا لزوم للسلاح الفلسطيني داخل مخيمات اللاجئين) وأضاف: (إن حماية المخيمات هي مسؤولية الجيش اللبناني)... سأله المذيع (سامي حداد) مستهزئاً: (أنتم لا تستطيعون حماية أنفسكم فكيف ستحمون المخيمات؟) أجاب تويني بعصبية: (يا أخي نحن لا نريد أسلحة فلسطينية في المخيمات ونحن من يحمي تلك المخيمات).. أي أنه لم يجب إلا بتكرار ما سبق أن قاله (ضرورة سحب أسلحة الفلسطينيين).. أجاب (سامي حداد) باستغراب: (قل لي يا أستاذ تويني، لماذا إذن رفضت الجمهورية اللبنانية التوقيع على اتفاقية جنيف الخاصة بحماية اللاجئين الفلسطينيين) الخ...

- طلب لارسن في تقريره الأخير نزع سلاح حزب الله، واتهم سوريا بأنها تسمح بتدفق الأسلحة والأشخاص إلى المخيمات في لبنان كذلك رافق هذا التقرير تصعيد الحملة ضد إيران (لارتباطها بحزب الله)...

- ترتفع الآن الأصوات في مجلس النواب اللبناني والوزراء حول ضرورة إيجاد حل مع إسرائيل، وذلك بعيداً عن سوريا، ويتم ربط ذلك بموضوع أسلحة حزب الله والمخيمات...

- تتوالى الاقتراحات لتحسين وضع المخيمات كمقدمة أولى لطرح التوطين..

ماذا نستنتج:

إن التقرير انطلق من جماعة (14 آذار فقط) وهم الذين حملوا لواء إظهار الحقيقة من أجل مصالحهم وليس من أجل (من قتل الحريري) وهذه المجموعة ذاتها خرجت عن جميع مبادئ وقيم ومثل الحريري السياسية أي أنها تبحث عن قاتل الحريري (كشخص) وليس عن قاتل الحريري (كفكر وموقف) فقد تجاوزت هذه المجموعة مواقف الحريري التي تتطابق مع سوريا وعملت على إحباطها...

فمن صاحب المصلحة بقتل الحريري إذن؟

إن جماعة (14 آذار) كانوا يعلمون بأن ولاية لحود (الممددة) سوف تنتهي وأن الحريري سيعود رئيساً للوزراء (بفكره وموقفه السياسي) ذلك الفكر الذي يقومون بتدميره الآن.. لو أن السيد ميليس انطلق في تحقيقه من بداية صحيحة لما وصل إلى تقريره هذا، وهي:

من صاحب المصلحة باغتيال الشهيد الحريري؟..