أخطر ما في ال1636 انه مسار، وليس قرارا. في الشكل، إنه قرار الاجماع الدولي بامتياز، مقاربته من هذه الزاوية تنطوي على دلالات عميقة، وخطيرة، بعد التصويت، انتفى الحديث عن وجود تمايز جزائري، روسي، صيني. وسقطت صدقية التنوع والاختلاف.. نحن أمام إجماع في مجلس الامن. إجماع على معرفة الحقيقة، وعلى من فكّر، وخططّ، وموّل، ونفّذ جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وإجماع أيضا على إصدار قرار خاص بسوريا، للمساعدة على كشف الحقيقة. في المضمون: لقد تبنى مجلس الامن، بالإجماع، كل ما كتبه ميليس، وما جاء في تقريره. ورسم <<آلية التعاون المطلوب>>، استنادا الى هذا التقرير، وحددّ المسار الذي يفترض اعتماده لبلوغ الحقيقة، ولم يترك الفرصة للاعتراض، فإما الامتثال لما يرسمه ويقرره القاضي الدولي، وإما الشكوى، والتشكيك بعدم التعاون، وفتح الباب مجددا أمام خيارات أخرى.

بعض الدول الكبرى لها قراءتها. الفرنسيون مرتاحون الى انضمام الجزائر، وروسيا، والصين الى الإجماع الدولي، والى أن القرار 1636 هو الثاني بعد ال1595 الخاص بجريمة الاغتيال، وهذا وحده من شأنه أن يوحي كم ان فرنسا وفيّة للراحل الكبير، وحريصة على كشف كل القطب المخفيّة المتصلة بالجريمة. وأخيرا، وليس آخرا ان ما تريده فرنسا هو الشفافية في التعاون، وليس إسقاط أنظمة، او <<تعميماً للفوضى المنظمة>> في المنطقة.

الاميركيون في الضفة الاخرى. كل ما تقدم هو بالنسبة إليهم من <<الشكليات>>. بيت القصيد تحدثت عنه وزيرة الخارجيّة كوندليسا رايس عندما دعت سوريا الى تغيير نهجها، واستراتجيتها. مطلب كهذا يعني أن ليس المقصود الحقيقة فقط، بل الأبعد، والأدهى، وهذه يفترض ان تكون مقدمة فقط، ليشمل الاسلوب في التفكير، والتخطيط، والأداء، والسياسة التي تتبعها سوريا تجاه العراق، وفلسطين، واستطرادا، عملية السلام، في ضوء الاستراتيجيّة الاميركيّة الجديدة، حيال الشرق الاوسط الكبير، الواسع.

إن أبلغ ما قيل على هذا الصعيد: <<إن ما تريد الادارة الاميركيّة من هذا القرار هو إقناع سوريا بأن الولايات المتحدة الاميركيّة اصبحت في قلب الشرق الاوسط، ولم تعد بعيدة عنه آلآف الكيلومترات. وأصبحت على حدودها، وشريكة رئيسيّة في صنع مستقبل هذا الشرق الاوسط؟!>>.

البريطانيون كانوا أصحاب المفاجأة، عند إصرارهم على المشاركة الحماسيّة في صناعة هذا القرار. ويبقى السؤال اللغز: لماذا تحولت لندن من صديق، وحليف لدمشق، الى متآلب عليها؟، ولماذا بريطانيا التي استقبلت يوما الرئيس بشار الأسد بحفاوة، وفتحت أمامه ابواب الاتحاد الاوروبي المقفلة، انقلبت الى المقلب الآخر؟، هل العراق؟، هل ما هو أبعد من العراق ؟!. السجال العنيف بين الوزيرين فاروق الشرع وجاك سترو، يرمز الى أن المسألة ربما تكون أبعد من <<قلوب مليانة؟!>>.

أمام كلّ تمعن في قراءة بنود القرار1636، هناك <<اكتشاف>> جديد في مضامينه، هذا فضلا عن الاهداف والابعاد. صحيح أن لبنان ظاهريّا هو خارج حدوده، ولكنّه محكوم بجاذبيته، وتجاذباته، ويصبح السؤال مشروعا عن مصير القرار 1559، الذي احتضنه القرار الاخير، ليعيد تسويقه بصيغة اخرى، وفي الوقت الذي يراه المجتمع الدولي مناسبا؟!.

مصادر
السفير (لبنان)