قال إن بلاده لا تريد المس باستقرار منطقة الشرق الأوسط لعبت فرنسا دوراً محورياً في تحقيق الاجماع بين أعضاء مجلس الأمن على القرار 1636 الذي يطالب سورية بـ«التعاون الكامل وغير المشروط» مع لجنة التحقيق الدولية في اغتيال رفيق الحريري، رئيس الوزراء اللبناني السابق. وكان وزير الخارجية الفرنسي، فيليب دوست ـ بلازي، قد اجتمع مع نظيره الروسي، سيرجي لافروف، قبل أقل من ساعة من بدء الجلسة الخاصة للمجلس، التي شارك فيها وزراء خارجية الدول الأعضاء، الاثنين الماضي، في محاولة أخيرة لجسر الهوة بين الموقف الروسي ـ الصيني ـ الجزائري المعارض للقرار والموقف الفرنسي ـ الأميركي ـ البريطاني. وبعد الاجتماع مع لافروف على انفراد، اجتمع دوست ـ بلازي بوزيرة الخارجية الأميركية، كوندوليزا رايس، ووزير الخارجية البريطاني، جاك سترو ، وأبلغهما بـ«العرض المضاد» الذي قدمه لافروف مقابل تصويت روسيا لصالح القرار، حسب مصادر فرنسية مطلعة. وتركز هذا العرض الروسي على إلغاء الفقرة 13 من نص القرار، الذي كان يهدد باللجوء الى المادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة التي يمكن لمجلس الأمن بموجبها فرض العقوبات على سورية. وكانت فرنسا قد بذلت جهوداً مكثفة خلال الأيام القليلة الماضية من أجل اصدار قرار بالاجماع يظهر وحدة مجلس الأمن في توجيه رسالة واضحة وقوية الى الحكومة السورية. «الشرق الأوسط» التقت وزير الخارجية الفرنسي بعد جلسة مجلس الأمن، وأجرت معه الحديث التالي:

> القرار الذي تبناه مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يسمح باستخدام القوة العسكرية لضمان تنفيذ القرار ... أليس خطوة غير مناسبة ؟

ـ هدفنا هو ضمان أن تقوم لجنة التحقيق الدولية التي يقودها دتليف ميليس بعملها بأفضل شكل ممكن، ويجب أن تتعاون سورية مع القاضي ميليس من أجل تحقيق ذلك. وهدفنا، إذاً، كان الاهتمام بلجنة التحقيق أولاً وأخيراً، ما يعني الاهتمام بالعدالة، من دون الاهتمام بأي موضوع آخر، الاهتمام بالعدالة الكاملة. وفي هذه الظروف كان لا بد من أن تتلقى سورية رسالة قوية من المجتمع الدولية. وأنا سعيد لأننا تمكننا من تحقيق الاجماع، والآن، على سورية أن تظهر أنها تتعاون. ولا أستطيع أن أتصور للحظة واحدة ألا تفعل ذلك، لأن هذا الأمر سيكون خطيراً للغاية بالنسبة لها وبالنسبة للعدالة والقانون، وبالنسبة للمجتمع الدولي.

> تركزون على ضرورة تحقيق العدالة في هذه المسألة المهمة، ولكن من الواضح أن أهداف الادارة الأميركية تتعدى نطاق التحقيق في اغتيال الحريري... ألا توجد اختلافات جذرية بين باريس وواشنطن قد تشكل مشاكل حقيقية بالنسبة لكم في ما بعد؟

ـ اليوم، نحن في إطار القرار 1595 وفي إطار العدالة والقضاء. وغداً، ستكون هناك قرارات أخرى ومسائل سياسية أخرى. أما اليوم، فنحن في مجال العدالة، وعلينا ألا نخلط الأمور. وأنا سعيد للاجماع الذي حققناه وغداً سنرى، ولكننا لا نريد المس باستقرار المنطقة. فهذا لم يكن يوماً ما نرغبه.

> هل يعني ذلك أنكم تجهزون قراراً آخر للضغط على سورية بشأن إزالة سلاح حزب الله، كما تردد أخيراً ؟

ـ لا، ولكن صحيح أن تقرير تيري رود ـ لارسن (الممثل الخاص للأمين العام المعني بمتابعة تطبيق القرار 1559) صدر، وأن هذا التقرير يظهر بعض العناصر الايجابية، وفي نفس الوقت بعض العناصر السلبية، وأنه لا تزال هناك حاجة لتحقيق مزيد من التقدم. وليس من المستحيل أن تصدر قرارات في هذا الاطار في الفترة المقبلة، ولكن هذه مسألة أخرى، ومهمة أخرى. ليس نفس الشيء.

> ولكن، متى تتوقعون تحركاً في هذا الشأن؟

ـ لا أدري تماماً، ولكنني أتصور أننا سنقوم بذلك في المستقبل القريب جداً. ولكن ليس لدي اليوم جدول زمني أقدمه لكم.

> لا شك أن العملية الحالية التي يشهدها مجلس الأمن بشأن سورية تذكر بالعملية السابقة التي أدت الى الحرب على العراق. والعالم يتذكر ـ ولعل فرنسا أول مَن يتذكر ـ أن الولايات المتحدة بررت استخدام القوة وقتها رغم المعارضة الدولية الشديدة لذلك، بالاستناد الى القرارات التي مررها مجلس الأمن بموجب الفصل السابع. ألا تواجهون خطورة تكرار الوضع نفسه خصوصاً ان الرئيس الأميركي أكد أخيراً أن كل الخيارات لا تزال مطروحة، بما في ذلك اللجوء الى الخيار العسكري ضد سوريا؟

ـ يجب أن تكون الأمور واضحة. فرنسا مصرة اليوم أكثر من أي وقت مضى على تسليط الضوء على اغتيال رئيس الوزراء اللبناني، رفيق الحريري. وفرنسا مستعدة اليوم أكثر من أي وقت مضى لحماية سيادة لبنان الكاملة، وهي تستمر اليوم في الدفاع عن هذه السيادة. ونحن لسنا هنا من أجل زعزعة استقرار أي نظام، سواء كان النظام السوري أو غيره، كما أننا لسنا هنا من أجل القيام بأي نوع من التدخل. واذا ما ظهرت، في أي وقت، خلافات مع آخرين، سنقول ذلك، أما حتى الآن، فهذا ليس هو الحال.

> ماذا تقولون، ليس للحكومات العربية فحسب، بقدر ما هو للرأي العام العربي، الذي يرى مجلس الأمن يتبنى، مجدداً، قراراً يهدد بفرض اجراءات عقابية ضد بلد عربي آخر من أجل تضييق الخناق عليه؟

ـ هذا هو السبب الذي جعلني أحرص كثيراً على تحقيق الاجماع، اذ أن تمكننا من تحقيق الاجماع في مجلس الأمن يدل بوضوح على أن الموضوع ليس ضد دولة عربية، ولم يتم توجيه أصابع الاتهام الى سورية لأنها دولة عربية، بل لأن القاضي المسؤول عن عملية التحقيق الجنائية يعتبر أن هذا البلد لا يتعاون بشكل كامل، وهذا أمر مختلف. والعدالة ليست السياسة، فهما مسألتان مختلفتان.

> تم تعديل نص القرار الذي اعتمده مجلس الأمن، في اللحظة الأخيرة، بالتخلي عن الفقرة التي تهدد بصورة مباشرة بفرض العقوبات على سورية، ولكن مع استبدالها بلغة تبقي التهديد بالعقوبات قائماً اذا لم تتعاون سورية بصورة كاملة مع التحقيق الدولي. في ضوء الطلبات الواسعة التي ينص عليها القرار، هل يمكن لسوريا، في رأيكم، أن تتجنب العقوبات أم أنها مسألة حتمية؟

ـ التهديدات بالعقوبات متوقعة، ولكنها ليست أوتوماتيكية وفي كل الأحوال يجب العودة الى مجلس الأمن. ومن الضروري جداً أن نحصل على تعاون فعال من سورية.

> مع بدء الحديث عن المرحلة المقبلة من عملية التحقيق التي تسبق محاكمة المشتبه بتورطهم في الاغتيال، ومع مطالبة البعض بتأسيس محكمة دولية للنظر في هذه القضية، الى أي مدى تؤيد فرنسا هذه الدعوات لاجراء محاكمة الدولية؟

ـ نتمنى أن تتمكن لجنة التحقيق من الاستمرار في عملها حتى ديسمبر (كانون الاول) المقبل، وعندما يبلغنا ميليس عما اذا كانت سورية تتعاون أم لا، سنستخلص في ذلك الحين كل النتائج، وأقول جيداً، كل النتائج.

> لكن هل يعني ذلك أنكم ستؤيدون فكرة إنشاء محكمة دولية؟ ـ نحن اليوم ننتظر أن تواصل لجنة ميليس عملها حتى منتصف ديسمبر المقبل، وهذا هو الموعد الذي ستسلمنا فيه اللجنة أسماء المشتبهين لديها والمذنبين.

مصادر
الشرق الأوسط (المملكة المتحدة)