أمام الرئيس بشّار الأسد أقلُّ من ستَّة أسابيع لتجنيب البلاد إمكانيَّة تعرضها لمثل ما يتعرَّض له العراق اليوم، وهي المهلة التي تفصلنا عن منتصف شهر ديسمبر، وموعد تقرير السيِّد ميليس إلى مجلس الأمن. على الرئيس الأسد أن يسهم في نجاح الهدف القضائي من لجنة السيِّد ميليس لإفشال المآرب السياسيَّة للرباعي الدولي- إسرائيل والولايات المتَّحدة وبريطانيا وفرنسا.

لكي ينجح الرئيس عليه التحرُّك بسرعة وحزم في اتِّجاهين بحيث يستبق الأحداث فلا ينجر وراءها. أوَّلاً، وضع كلِّ من ورد اسمه في التقرير المرحلي للسيِّد ميليس قيد الحفظ، وإحالتهم لجنة التحقيق السوريَّة أو الدوليَّة، وتعيين مسؤولين مكانهم حتَّى نهاية التحقيق. فإن كانوا أبرياء استعادوا مراكزهم وإن كانوا مذنبين نالوا ما يستحقُّون. ربَّ قائل إنَّ هذا قد يقود إلى صراع عسكري داخلي. ومع استبعادنا حصول مثل هذا الأمر، فإنَّنا نقول: فليكن. على الرئيس الأسد أن يتحصَّن باثنين: صلاحيَّاته الدستوريَّة وقوَّة شعبه وحكمته. أوَّلاً. نعتقد أنَّ الشعب في سورية على استعداد للالتفاف حول الرئيس إذا رآه يتَّخذ الخطوات الضروريَّة لحماية البلاد وتجنيبها مصير العراق، وليس على استعداد لفعل ذلك إذا ما رآه متردِّدًا في استعمال صلاحيَّاته الدستوريَّة.

ثانيًا، وهو الأهم في رأينا، على الرئيس الأسد فتح ملفِّ الوجود السوري في لبنان كشفًا للحقيقة كلها بدءًا مما أدى إلى ما يشبه القطيعة بين لبنان وسورية، وحماية للمواطن اللبناني كالسوري. نحن نرى أنَّ الشعب في لبنان قد تعرَّض وما يزال لعمليَّة خداع ونصب سياسيَّة وماليَّة من بعض السياسيِّين في لبنان قبل القادة الأمنيِّين. فالفساد هو في السياسة قبل الأمن. ويهمُّنا الكشف عن حقيقة الفساد الذي مارسه هؤلاء في لبنان واستفادوا منه، مع مسؤولين سوريين، على ظهر المكلَّف اللبناني، وحمَّلوه وأبناءه الذين لم يولدوا بعد، عبئًا ماليًّا سوف يرهق كاهلهم لسنوات طويلة قادمة. وها بعضهم اليوم، بعد أن نقل بندقيَّته من الكتف السوريَّة إلى الكتف الأميركيَّة يشتم الأولى ويهلِّل للثانية دون أن يندى له جبين. فلتفتح ملفَّات الصفقات فلا بد من أنَّ فيها الكثير ممَّا يريد اللبنانيُّون معرفته.

إنَّنا نريد للجنة كهذه أن تستمع لكثير من اللبنانيِّين، لا سيَّما أولئك الذين رأوا في وجود الجيش السوري في لبنان فرصة، ليس فقط لوقف القتال وتحقيق السلم الأهلي، بل مدخلاً إلى تكامل اقتصادي واجتماعي أفضل بين البلدين. ونريدها أن تستمع أيضًا للذين انتقدوا على مدى سنوات الإبقاء على رموز الفساد في لبنان وتقويتهم، وانتقدوا التحالف مع بعض الذين آثروا عدم ضرب تجَّار الطائفيَّة في لبنان، فتاجروا معهم، وناموا في سريرهم. إنَّ من شأن كشف كهذا أن يُنقِّي العلاقات السوريَّة اللبنانيَّة ويضعها على سكَّة جديدة من التكامل الطبيعي المثمر.

ليس أمام الرئيس الأسد الكثير من الوقت. إنَّ أيَّ تأخير في الموضوع القضائي سيوظَّف سياسيًّا ضد سورية، بينما من شأن تسريع التحقيق القضائي والوصول إلى نتيجة ملموسة فيه أن يخفِّف من الضغط عليها، ويسهم في تقوية موقع الدول التي آزرتها في جلسة مجلس الأمن الأخيرة، وتدعيم موقفها السياسي من الملفَّات المطروحة. الأهم، أنَّ المواطن اللبناني والسوري يعرفان الضرر الذي تسبِّبه القطيعة عليهما، فمن حقَّهما وضع نهاية سريعة لها.

مصادر
إيلاف (المملكة المتحدة)