من المقدّر أن تكون التظاهرات انتهت في فرنسا عندما تنعقد القمة الأورو متوسطية أواخر هذا الشهر. انتهاء التظاهرات لا يعني اندمال الجراح. وليس مستبعداً أن يكون الحدث الفرنسي ترك آثاره على بلدان أخرى في الاتحاد الأوروبي حيث من المتوقع ازدياد الميول السلبية حيال المواطنين من أصول مهاجرة، أو حيال المهاجرين، جارفة في طريقها القدرة على تقديم علاجات مقنعة. (هل يمكن القول إن <<الحلم الأوروبي>> لتركيا قد ازداد ابتعاداً؟). تبقى هذه التظاهرات، بين أمور أخرى، جرس إنذار يفترض فيه أن يقلق المجتمعين للاحتفال بذكرى عشر سنوات على انطلاق <<مسار برشلونة>>. فمن الأهداف المعلنة لهذه العملية إقامة أطر تعاون بين ضفتي المتوسط، وصولاً إلى منطقة تجارة حرة، من أجل تشجيع الازدهار في دول <<الجنوب>>، وتثبيت المواطنين حيث هم، ووقف الهجرة المتدفقة، وتوفير القدرة للمجتمعات الأوروبية على دمج واستيعاب من استقبلتهم في السابق ومنحت بعضهم جنسيتها. النتائج، على هذا الصعيد، ملتبسة. هذا أقل ما يقال. تظاهرات فرنسا دليل على ذلك ولكن، أيضاً، استمرار الاندفاعة الجنوبية لعبور البحر، والمجازفة بالحياة، من أجل الوصول إلى حيث العمل و<<الرفاه>>.

يصعب القول، اليوم، كم اقتربت ضفتا المتوسط من بعضهما. إلا أن ما يمكن قوله هو أنهما ليستا معزولتين عن الحراك الجيولوجي الذي يصيب العالم ويعمّق الهوة، أكثر فأكثر، بين شمال غني وجنوب فقير، بين غرب <<مسيحي>> وشرق عربي وإسلامي. وإذا كانت السياسات الرسمية للدول العربية والإسلامية غير مبنية على أخذ العلم بهذه الهوة فإن المجاري العميقة لعلاقات الشعوب تؤكد أن الجو جو احتقان لا جو تلاق. ويمكن الزعم، في هذا المجال، أن العلاقات الأوروبية المتوسطية تعاني من ارتدادات استراتيجيات أميركية متهورة ولو أنها لم تصادف، في بعض مراحلها، إجماعاً أوروبياً مؤيداً.

على أن ذلك لا يلغي أن دول الاتحاد تتحمّل مسؤولية في عدم وصول <<مسار برشلونة>> إلى كامل النتائج المرجوة منه. لقد أعطيت الأولوية في العقد الأخير للتوسع شرقاً على حساب الحد المعقول من الاهتمام بالجنوب. ثم إن السياسات الداخلية المغالية في ليبراليتها أضعفت من القدرة على تأمين وسائل الاندماج وعلى اقتراح نماذج تنمية جدية على الشركاء. أضف إلى ذلك أن أحداً لم يهتم فعلياً بتعزيز أواصر التعاون جنوب جنوب بالرغم من أن ذلك كان على جدول الأعمال.

عندما انطلق <<مسار برشلونة>> في 1995 قيل، مع بعض المغالاة، إن المقصود تدشين خيار ثان. وهكذا افترض بعض الواهمين أن <<المتوسطية>> قد تكون بديلاً ل<<الأوسطية>> التي رفع لواءها الأميركيون والإسرائيليون بصفتها <<العرض الوحيد>> أمام المنطقة. لقد بدا أن <<برشلونة>> تقدم صيغة أكثر مرونة لحضور إسرائيل وبلدان عربية في منتدى واحد. وبدا أن التركيز على الاقتصاد والتبادل وتحرير التجارة ودعم التحولات الهيكلية وعلى الثقافة بدلاً من السياسة والأمن يمكن له أن يدوّر الزوايا ويقلّل من حرج وجود الاحتلال والخاضعين إليه تحت سقف واحد غير سقف المنظمات الدولية المفروض على الجميع. وبدا، أيضاً، أن المسار يؤمّن مخارج لدول عربية، سوريا ولبنان تحديداً، رفضت المشاركة في <<المفاوضات الإقليمية>> أو في المؤتمرات الاقتصادية التي عُقدت على هامشها في الدار البيضاء والقاهرة وعمان.

صاحب تلك المرحلة كلام كثير عن أن أوروبا مختلفة عن الولايات المتحدة وأن ما هو جائز معها غير جائز مع واشنطن. وليس مستبعداً أن هناك من رأى في ذلك تجديداً لشكل من أشكال <<الحرب الباردة>> بأطراف جدد بحيث يمكن اللعب على التناقضات. ولقد تعمّد هذا الوعي الإيديولوجي إخفاء الحقيقة الواضحة بأننا أمام <<تنافس>> ودي لا أمام نزاع، وبأن عناصر التباين لا يمكن لها أن تستر عناصر التكامل.

لقد ترك هذا المسار آثاراً. وقعت اتفاقيات شراكة. تعزز التبادل. جرى تقديم دعم. تطورت مفاهيم واستراتيجيات. جرى تدريجياً التركيز على <<الجيرة>>. إلا أنه، هنا أيضاً، وبعد عشر سنوات. لا يمكن إلا الاستنتاج بأن النتائج ملتبسة. لقد بقي الموقف العربي المعني أشد ضعفاً من القدرة على استدعاء دور أوروبي فعال. ولم يتطور الموقف الأوروبي، لأسباب كثيرة، ليصبح وازناً بشكل يسمح له بتمايز جدي عن الولايات المتحدة.

لقد كانت هذه الملاحظة صحيحة عشية تفجيرات 11 أيلول. واستمرت صحيحة بعد الانقسامات التي رافقت غزو العراق. وربما كنا نشهد، هذه الأيام، غلبة عناصر التكامل والتلاقي على ما سواها في المقاربات الأميركية والأوروبية (برغم التعددية النسبية في المواقف الأوروبية) لقضايا المنطقة ومشاكلها والحلول المقترحة لها. لقد حصل هذا التلاقي تدريجياً في خلال السنتين الماضيتين وتأسس له في سلسلة القمم الغربية والأطلسية في 2004. لقد أسفرت هذه القمم عن إنتاج مشروع عام مشترك أطلسي الطابع تصب فيه روافد أوروبية وأميركية.

الأسباب عديدة وراء هذا التلاقي ولكن ما لا شك فيه أن الملفين السوري واللبناني كانا حاضرين بقوة استثنائية في استيلاد توافقات كانت تبدو صعبة غداة حرب العراق. وامتدت هذه التوافقات من إبداء المخاوف من الفشل الأميركي في العراق (دور محدود لحلف شمال الأطلسي بعد تمنّع)، إلى تقليل الخلافات في ما يخص النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، إلى التنسيق في ما يخص التفاوض مع إيران، إلى ما يشبه التطابق في التوجه حيال دمشق وبيروت. ومن يقرأ البيان الأخير لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي سيحتاج إلى مجهر لاكتشاف التباينات الأوروبية الأميركية.

ليس غريباً، والحالة هذه، أن يغيب الرئيسان اللبناني والسوري إميل لحود وبشار الأسد عن القمة الأورو متوسطية القادمة. الغريب هو بناء الحسابات السياسية على افتراض وجود تباعد أوروبي أميركي يسمح بأي مناورة. إن هذا التباعد في طريقه إلى الاضمحلال بحيث أن مجهراً قد لا يعود كافياً لملاحظته.

مصادر
السفير (لبنان)