لا احد يريد ان يسمع، لا احد يريد ان يحلل ويسال: لماذا اوروبا؟ لماذا فرنسا؟ لماذا الآن؟ ومن المستفيد؟ الذين يريدون اقصاء هذه الاسئلة، ليقولوا انها ثورات التهميش وثورات الجوع ، وتمرد المهاجرين العرب والافارقة على العنصرية الفرنسية، هم اما غارقون في السذاجة السياسية التي لا تنطلق الا من ردات الفعل، واما من الغارقين في صلب المخطط الاميركي -الصهيوني، الذي تلخصه نظرية الفوضى المخصبة التي بنيت عليها سياسة المحافظين الجدد، ولا تفتا وزيرة الخارجية الاميركية الحالية تكررها، وتؤكدها كل يوم. صحيح ان المهاجرين ، وبتعبير ادق نقول بعضهم ، يعيشون في ظروف صعبة، من الفقر والبطالة، ولكن هل هي ظروف اكثر صعوبة من التي تعيشها احياء الفقر العربي من المشرق الى المغرب؟ فلماذا لا تقوم الثورات هناك؟ واذا ما وضعت نفسك في مكان اي فرنسي، ألن تسال : ولماذا يفعل هؤلاء رابع المستحيلات للقدوم الى فرنسا؟ أو ليس طمعا بالمساعدات الاجتماعية التي تقدمها الدولة هنا؟ ثم يأتي السؤال الأدق : ماذا كان ستفعله أية حكومة عربية فيما لو قامت أية جالية عربية أخرى بما فعله العرب في فرنسا؟ غير أننا نترك ذلك كله لنعبر الى الاسئلة التي بدانا بها، على ان نؤسس للاجابة عليها بما تداولته وسائل الاعلام حول ارتباط اعمال العنف في فرنسا واوروبا بالشبكات الاصولية التي توصف في الغرب بالارهابية. ايمن الظواهري يتحالف مع امير السلفيين الجزائريين. أيمن الظواهري يكلف ابو مصعب الزرقاوي (الذي تنعته هذه الوسائل زعيم المقاتلين في العراق ) بشأن العمليات في اوروبا. وهذا الاخير يصف جاك شيراك بـ ’’كلب الصليبيين ’’ ويصف فرنسا بـ ’’ العدو رقم واحد ’’ ويقيم تحالفا مع امير السلفيين للدعوة والقتال في الجزائر عبد المالك دوركديل.

ننتقل الى العمليات، فاذا برجل يوصف بانه ’’ مهندس كيماوي في جيش صدام حسين ’’ انتمى الى جماعات الزرقاوي ووقع في يد القوات الاميركية، ليعترف لها بان الزرقاوي كلفه بتدريب مجموعة من الكاميكاز الاوروبيين او الذين يملكون وثائق تسمح لهم بالتحرك في اوروبا، كي يتم تحويلهم بعد التدريب الى ابو محمد التونسي ( وهو من الجنسية الجزائرية ) الذي يوظفهم لتنفيذ عمليات على الارض الاوروبية منها تنفيذ هجوم بالغاز في احدى العواصم الاوروبية وهكذا تنطلق العملية من تحذير اميركي للفرنسيين، يستند الى الاجهزة الامنية الاميركية في العراق، يستتبع تقصيات معمقة عبر عمان بيروت -دمشق- وبغداد، توصل الى كشف سلسلة من المشاريع والشبكات .تطال فرنسا، ايطاليا،وبروكسل.

وفجاة يقتل ابو محمد التونسي على الحدود العراقية السورية، ويقتل يونس الحياري في السعودية، ويعثر مع كل منهما على جهاز كمبيوتر عليه مخططات عمليات ارهابية في اوروبا. وبعد ...

بريطانيا تطرح في بروكسل مشروع قوانين تحدد الى ابعد مدى ممكن الحريات الاساسية في اوروبا، وتشرع الرقابة المشددة على الهواتف والانترنت والمواصلات والمحاضرات والتحركات، سواء بالتسجيلات او بالتصوير او بالتقارير المسبقة واللاحقة، والتي يفرض الاحتفاظ بها لمدة ثلاث سنوات على الاقل. في البرلمان الاوروبي تثور لجان الحريات ضد المشروع، لكن عبثا. وفي فرنسا يجعل وزير الداخلية نيقولا ساركوزي من قوانين تحديد الحريات وتشديد الرقابة اولوية اولى في سياسته، لكنه يصطدم بمعارضة حادة من لجان ومؤسسات الحريات. معارضة اختفت الآن من اعمدة الصحف وسياقات الخطاب السياسي ، لتحل محلها اخبار اعمال العنف الحالية، التي تشكل حجة ممتازة بيد من يريد هذه القوانين. وهنا في هذه ال ’’ من ’’ يكمن جوهر الموضوع، فالمن هي بالدرجة الاولى الصهيونية وبالدرجة الثانية الادارة الاميركية. ترتيب لانقوله ابدا بفعل نظرية المؤامرة التي باتت اشبه بتهمة الهلوسة، ولكن بعودة دقيقة الى الوثائق التي لم يتردد المسؤولون الاسرائيليون يوما في التفاخر بانهم كانوا اول من دعا اليها، واقنع الاميركيين بها بعد جهد استغرق سنوات، بقيادة موشيه ارينز ومساعده بنيامين نتنياهو، قبل ان تاتي احداث منهاتن لتثبت النظرية. كما تباهوا ايضا باالجهد الذي مارسته اسرائيل واللوبيهات اليهودية في اوروبا لاقناع الحكومات والراي العام الاوروبي بتبنيها.( ولمن اراد التوسع ان يعود الى هذه الوثائق ومنها كتاب نتنياهو: استئصال الارهاب الصادر عام 1995 او لخطابه في الكونغرس الاميركي بعد احداث ايلول ).

الآن تتصاعد مصلحة اسرائيل والولايات المتحدة في قمع الحريات العامة، مع تطور الوضع في العالمين العربي والاسلامي ، وخاصة مع ازمة الاحتلال الاميركي في العراق ، وعملية تصفية المقاومة الفلسطينية، ومخطط ترتيب المنطقة العربية والشرق اوسطية، كي يكون هذا التحديد مدخلا لقمع أية امكانية دعم لمن يقاوم هذا المشروع، وعلى الاخص في العراق.

من هنا نصل الى نقطتين: الاولى هي تفسير ربط كل الانباء التي ذكرناها بين التهديدات الارهابية لاوروبا، وبين العراق، والقاعدة والسلفيين القتاليين. والثانية هي الجواب على السؤال السياسي: لماذا اوروبا؟ بحيث يمكن صياغته بشكل اخر اكثر توضيحا : لماذ لا تتجه اعمال هؤلاء الغيارى الى اميركا واسرائيل ؟ لماذا لا نسمع عن خطط مواجهة للداخل الاميركي؟ وكيف تكون اوروبا ’’ العدو رقم واحد ’’ في حين تحتلنا اميركا واسرائيل؟ وكيف يتجه عداؤنا وعنفنا الى فرنسا في وقت يرأس حكومتها الرجل الذي قدم في مجلس الامن خطابا تاريخيا ضد احتلال العراق، لم يجرؤ عليه ممثلونا الجبناء، الجبناء بامر حكوماتهم. وفي وقت يقترب فيه دومينيك دوفيللوبان من معركة الرئاسة التي قد تمكنه من خلافة الرجل الذي مارس طوال فترة رئاسته سياسة عربية لم تثر عليه الا حقد اسرائيل واميركا. سياسة ان هي الا استمرارية السياسة الديغولية القائمة على التوازن المتوسطي ، والاستقلالية عن الاوروبية ؟ وهل يفضي هذا العنف على الصعيد الخارجي، الا الى ارساء الفوضى المخصبة للمشروع الاميركي الصهيوني ، وجر فرنسا الى بيت الطاعة التابع له. وعلى الصعيد الداخلي الا الى اضعاف اليمين المعتدل لصالح يسار كان هو من انشأ هذه الغيتوهات المهاجرة، وهو من عزلها ليستفيد من ازماتها ومكبوتاتها، ومصائبها ، حين يحتاجها هو لدواع انتخابية، او يحتاجها دعاة الارتماء في ذيل التنورة الاميركية الصهيونية،لقلب الطاولة فوق راس من يرفض هذا الارتماء؟ ويظل ان الحل بالنسبة لفرنسا الحقيقية، فرنسا الجمهورية، هو نزع فتيل التفجير الذي يستغله المخططون للاساءة لمصالح البلاد. بارساء ظروف اجتماعية اكثر عدالة، بالاصرار على انتهاج سياسات خارجية تحترم ارتباط هؤلاء المهاجرين باوطانهم الاولى وقضاياها. وبالحد من تدفق الهجرة، والتدقيق في شرعية المقيمين. حتى ولو لم يعجب هذا البند ادعياء حقوق الانسان. ليذهب هؤلاء الى الجحيم، وليظهروا لنا بطولاتهم عبر المطالبة بتحسين اوضاع الناس في ارضهم وبلدانهم كي لا يضطر احد الى الهجرة، ليصبح بؤسهم وسيلة بيد غيرهم.

مصادر
الدستور (الأردن)