بعد القرار 1636 الذي ينصّب ديتليف ميليس، بالإجماع، <<والياً>> على دمشق جاء القرار 1637 الذي يمدد عمل القوات المتعددة الجنسيات في العراق لمدة سنة، وبالإجماع أيضاً. لقد باتت الأرقام التسلسلية لقرارات مجلس الأمن من اختصاص المنطقة (حتى القرار 1638 الخاص بالسودان، مثلاً؟)، كما بات واضحاً أن <<الفصل السابع>> من الميثاق لم يوضع إلا لاستخدامات عربية. لقد صدر 1636 باسمه فاتحاً الباب أمام عمل عسكري، ولم يكن ضرورياً إيراده في 1637 لأن الأخير يمدد لعمل عسكري قائم ولو أنه قام، بالأصل، خارج <<الشرعية>> ومن دون أي قرار دولي يجيزه!

اللافت في القرار الخاص بالعراق أنه يستبق نتائج الانتخابات النيابية المقررة بعد خمسة أسابيع. لا يعني ذلك أنها كانت ستنتج أكثرية تطالب بجلاء الاحتلال الأميركي ولكنه كان يستحسن، من باب النفاق الديموقراطي، السماح للشعب العراقي بقول كلمته أولاً طالما أن فترة أسبوعين، وهي فترة كافية، تفصل بين الاقتراع وانتهاء انتداب هذه القوات.

صدر 1637 بالإجماع بعد رفض تعديلات شكلية اقترحتها فرنسا وروسيا في لحظة استذكار أنهما عارضتا هذه الحرب <<غير الشرعية>>. وعندما خرج المندوب الأميركي جون بولتون من الاجتماع صرّح بما معناه أن طريقة تبني القرار كانت <<بناءة جداً، وسريعة جداً>>. <<إنها إشارة جيدة>> قال.

لم يقل بولتون إنه نادم على احتقاره للأمم المتحدة وعلى المعارك التي خاضها مع <<المحافظين الجدد>> ضدها وضد دورها. لم يفعل ذلك لأنه استعاد، على الأرجح، تحليلاً لأحد أصدقائه حول الانفراد أو التعددية. يقوم هذا التحليل، وهو لا يخلو من سخرية سوداء، على ضرورة أن تلجأ الولايات المتحدة منفردة إلى أي عمل تراه مناسباً من أجل الدفاع عن مصالحها وتوجهاتها. هذا هو الانفراد المحبب. ولكن إذا رغبت دول أخرى في الانضمام إلى هذا <<الانفراد>> وبات في الإمكان نعته ب<<التعددية>> فلا بأس ولا حول ولا قوة... إن هذا هو واقع الأمر هذه الأيام. وهو كذلك بشكل خاص في ما يخص سوريا ولبنان. لقد أدى التحول الفرنسي، وأسبابه كثيرة، إلى نشوء حالة من <<التعددية>> الشكلية لا تحول دون الانفراد الأميركي. والواضح أن واشنطن تتصرف على أساس الاستعداد لدفع <<جزية>> محدودة جداً إلى الآخرين من أجل أن يسبغوا على انفرادها رداء <<التعددية>>. وهكذا لا تعود الولايات المتحدة تتقدم عارية وغير مصحوبة إلا بالتوسعية الصهيونية، يصبح في إمكانها أن تبدو شرطي <<المجتمع الدولي>>، والأنكى من ذلك، الناطق الرسمي الوحيد باسم المصالح المشروعة للبنانيين والفلسطينيين والعراقيين والسوريين!

عندما تتخذ <<التعددية>> معناها الفعلي تكون واشنطن لها بالمرصاد. إن هذه هي الفلسفة العميقة التي أدت إلى تعيين بولتون مندوباً لجورج بوش. لقد وصل إلى المبنى الزجاجي من أجل أن يأخذ علماً بتراجع الاعتراضات ومن أجل أن يدفع نحو المزيد من ذلك. ولما ووجه، غداة وصوله، بأن الأمم المتحدة قطعت شوطاً بعيداً على طريق وضع برنامج إصلاحي لعملها ولمؤسساتها، وعلى طريق صياغة التزامات جدية لتطبيق مشروع الألفية، لما ووجه بذلك اقترح مئات التعديلات واشترط الإجماع. وكانت النتيجة أن القمة الاستثنائية لم تسفر عن شيء يذكر وضاعت فرصة على العالم الذي كان مخيراً بين حد أدنى من التعددية الفعلية وبين الانصياع الكامل لمنظومة إيديولوجية مغرقة في المحافظة والرجعية.

وكاد الأمر يتكرر في واحدة من أهم الهيئات المنبثقة عن الأمم المتحدة، اليونسكو، التي قاطعتها الولايات المتحدة 19 عاماً ثم عادت إليها في أواخر 2003.

منذ سنتين على الأقل و<<اليونيسكو>> تعيش نقاشاً مفتوحاً مداه الكون كله من أجل التوصل إلى <<اتفاقية حماية وتطوير تنوع التعابير الثقافية>>. وتحقق نجاح في هذا المجال يعتبر التنوع ملكاً إنسانياً عاماً ويضع آليات لتشجيعه وتطويره في ظل انفتاح ثقافات العالم على بعضها وعدم جواز اللجوء إلى قمع أي تعبير خاص. كما جرى التوصل إلى توافق يحيل إلى التشاور والتفاوض أمر حل أي إشكال يحصل في هذا المجال.

بكلام آخر كانت <<يونيسكو>> أمينة لتراثها ورسالتها. ولقد حاولت الولايات المتحدة ثنيها عن ذلك واستخدمت كوندليسا رايس لغة تهديدية فظة لمنع التصويت على اتفاقية تصبح نافذة بمجرد تصديق ثلاثين دولة عليها بعد إقرارها في المنظمة. ولما جاء وقت التصويت في باريس وافقت 148 دولة على الاتفاقية وامتنعت أربع دول وعارضتها دولتان: الولايات المتحدة و... إسرائيل! (أين ميكرونيزيا؟). أي أن الدول الأكثر التصاقاً بالولايات المتحدة وقعت، بما في ذلك بريطانيا والدول الأنغلوفونية وردت إسرائيل لحليفتها دين الوقوف الثابت معها في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

يقع إشكال <<يونيسكو>> في استطراد سجال سابق أطلق عليه اسم <<الاستثناء الثقافي>>. فالولايات المتحدة تدافع في منظمة التجارة العالمية وغيرها عن تحرير المبادلات (إلا بعض ما يمكن له الإضرار بها) في حين يطالب آخرون ب<<استثناء>> الثقافة من كونها سلعة مثل غيرها من السلع الصناعية والزراعية. أي أن هناك من يطالب بإجراءات حمائية للإنتاج الثقافي الهائل التنوع في العالم مخافة أن تبتلعه وتلغيه الهيمنة الأميركية الطاغية والتي لا تصدر إلى العالم الخارجي إلا سقط المتاع من إنتاجها في حين تحاصر، في الداخل والخارج، أبهى ما يمكن للثقافة الأميركية إنتاجه.

لقد شكلت دورات المفاوضات منذ <<الغات>> حتى <<الدوحة>> مروراً بإنشاء <<منظمة التجارة العالمية>> مناسبات لهذه المواجهة التي غالباً ما كانت تقف الولايات المتحدة فيها معزولة وبعيدة حتى عن أساطين النيو ليبرالية. ولقد انتقلت ساحة المواجهة إلى <<يونيسكو>> حيث مُنيت واشنطن بهزيمة يمكن لها أن تقود إلى جفاء جديد بين الدولة الأقوى في العالم وبين منظمة منبثقة عن الأمم المتحدة.

هكذا تفهم الإدارة الأميركية <<التعددية>> سواء في السياسة أو في الثقافة. إنها، أي التعددية، نسخات كثيرة لأصل واحد.

مصادر
السفير (لبنان)