في خطوة مفاجئة لم تتضح أبعادها وتأتي عشية خطاب الرئيس السوري بشار الأسد اليوم، أعلنت سوريا أمس البدء في استجواب ستة من كبار مسؤوليها الأمنيين في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ومنعهم من السفر، هم الذين سبق أن طلب المحقق الدولي ديتليف ميليس مثولهم أمامه في المونتيفردي، ورفض دعوة من اللجنة القضائية السورية الخاصة لزيارة دمشق من أجل توقيع مذكرة تفاهم بين الجانبين حول سبل التعاون وآلياته. وتزامنت هذه الخطوة مع زيارة قام بها الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى إلى دمشق حيث أكد، عقب لقائه الأسد ووزير خارجيته فاروق الشرع، على تعاون سوريا الكامل مع لجنة ميليس، ونفى أي خطط لعقد قمة عربية طارئة أو مصغرة لبحث الأزمة السورية.

وقالت مصادر سورية مسؤولة ل<<السفير>> إن خطاب الأسد، الذي سيلقيه من مدرج جامعة دمشق عند الحادية عشرة من قبل ظهر اليوم، <<سيكون مريحا للناس في شقه الداخلي، لكن القسم المتعلق بالتطورات الإقليمية لن يكون كذلك>>. ورأت المصادر نفسها أن <<المخرج الآن يقوم على قاعدة من المشاورات والاتصالات مع الأطراف العربية والدولية>>، مشيرة إلى أن <<الأجواء العامة لا تدعو إلى التفاؤل ومن الواضح أن هناك سياسة استهداف لسوريا>>. استجوابات ومنع سفر وقال المتحدث باسم اللجنة القضائية السورية الخاصة، إبراهيم دراجي، ل<<السفير>> إن اللجنة بدأت أمس الاستماع إلى المسؤولين السوريين الذين وردت أسماؤهم في مذكرة ميليس إلى السلطات السورية، مضيفا أنها اتخذت، بناء على ذلك، <<إجراء تحفظيا تدبيريا بوضع هؤلاء تحت تصرف اللجنة ومنعهم من السفر حتى أجل غير مسمى>>.

وأوضح دراجي أن هذا الإجراء ليس سوى <<تعبير عن سعي اللجنة إلى الوصول إلى الحقيقة تبعا للأسلوب القضائي الذي تراه مناسبا>>، مشيرا إلى أن اللجنة مخولة <<استجواب من تريد في حال ارتأت ضرورة لذلك>>.

ولم يتضح ما إذا كان منع السفر يستهدف التأكد من أن هؤلاء المسؤولين سيكونون حاضرين لتسليمهم لميليس في حال الإصرار على استجوابهم في المونتيفردي أم أنه يستهدف الحؤول دون توجههم إلى لبنان للمثول أمام المحقق الدولي.

وتفيد مصادر إعلامية ان هؤلاء المسؤولين هم رئيس الاستخبارات العسكرية اللواء آصف شوكت، والرئيس السابق للاستخبارات الداخلية اللواء بهجت سليمان والرئيس السابق لجهاز الأمن والاستطلاع في القوات السورية العميد رستم غزالي ومساعده في بيروت العميد جامع جامع والمسؤول في فرع فلسطين في المخابرات العميد عبد الكريم عباس والخبير في الاتصالات والانترنت في المخابرات العميد ظافر اليوسف.

وكانت مصادر سورية رفيعة المستوى قد أبلغت <<السفير>> أن ميليس <<رد سلبيا>> على رسالة وجهتها له رئيسة لجنة التحقيق السورية الخاصة القاضية غادة مراد وتدعوه فيها إلى زيارة دمشق لتوقيع مذكرة تفاهم مع الجانب السوري حول التعاون في التحقيق في اغتيال الحريري.

ونشرت <<سانا>> رسالة مراد إلى ميليس والتي قالت فيها إن <<اللجنة القضائية السورية الخاصة المشكلة بموجب المرسوم التشريعي رقم /96/ تاريخ 29/10/2005 للتحقيق مع الأشخاص السوريين من مدنيين وعسكريين في كل ما يتصل بمهمة لجنتكم إذ تقدر دقة المهمة الموكولة إليكم وحرصكم الأكيد على جلاء الحقيقة كاملة لتعرب لكم عن استعدادها للتعاون والتنسيق الكامل معكم من اجل التوصل إلى الحقيقة التي نتوخاها جميعا>>.

وأضافت الرسالة <<تنتهز اللجنة القضائية السورية الخاصة هذه الفرصة لتوجه الدعوة إلى لجنتكم الموقرة لزيارة سوريا في الوقت الذي تقترحونه للبحث في أفضل سبل وآليات التعاون بين اللجنتين. وإذ نأمل موافقتكم على هذه الزيارة نقترح في هذا الصدد توقيع مذكرة تفاهم مع لجنتكم لتحقيق التعاون المطلوب>>. وقال دراجي، ل<<السفير>>، إن الرسالة تستهدف <<إظهار مزيد من الجدية في التعاون بين اللجنتين>>، مشيرا إلى أن مذكرة التفاهم بين الطرفين يمكن أن تساهم في <<بلورة وتوضيح الصلاحيات التي سيتمتع بها ميليس خلال تعامله مع الجانب السوري وعلى الأراضي السورية وأن كل ذلك سيتوقف على مضمون المذكرة التي يفترض أن يتفق عليها الجانبان>>.

وقالت مصادر مطلعة أن المذكرة يجب أن توضح <<ما هي الأسس التي ستتم عليها التوقيفات، وما إذا كانت قائمة على أساس الاشتباه فقط دون وجود أدلة مادية>>.

وأجرى الأسد اتصالا هاتفيا بنظيره المصري حسني مبارك قالت <<سانا>> إنه تناول المشاورات التي أجراها موسى في دمشق في ما يخص التحقيق في جريمة اغتيال الحريري.

وكان الأسد استقبل موسى في وقت سابق أمس بحضور الشرع وبحث معه <<التطورات السياسية الراهنة عربيا وسوريا وعراقيا وفلسطينيا والضغوط التي تمارس على سوريا>>. كما تناول الحديث أيضا، بحسب <<سانا>>، <<أهمية إيجاد موقف عربي متضامن مع سوريا لمواجهة هذه الضغوط التي لا تستهدف سوريا وحدها فقط بل تستهدف الأمة العربية جمعاء>>.

وقال موسى، في ختام لقاءاته، أنه <<تأكد مرة أخرى ليس فقط الرغبة ولكن الموقف السوري من التعاون الكامل مع التحقيق القضائي الذي يقوده السيد ميليس، وعلمت واطلعت على عدد من الرسائل المتبادلة التي تصب في خانة هذا التعاون>>. وأضاف موسى <<نحن بصدد تنفيذ قرار من مجلس الأمن كما تعلمون وهناك تأكيد من الحكومة السورية بأنها ستتعاون لأن من مصلحتها كما في مصلحة الجميع أن تظهر الحقيقة بينة جلية بالنسبة لجريمة اغتيال الحريري>>.

ونفى موسى أن تكون للجامعة أية مبادرة في طرح أماكن بديلة لاستجواب الشخصيات السورية التي طلبها ميليس. كما نفى موسى، ردا على سؤال ل<<السفير>>، أي انعقاد مزمع لقمة عربية طارئة أو مصغرة.

وقال موسى، ردا على سؤال ل<<السفير>> عما إذا كان موضوع السيادة السورية في سياق التعاون مع لجنة التحقيق يؤخذ بالاعتبار عربيا، إن <<موضوع السيادة موضوع طبيعي جدا ويجب علينا جميعا احترامها وذلك مع أية دولة سواء في سوريا أو لبنان>>.

كما نفى موسى وجود أية نية للتدخل في عملية التحقيق عبر إحضار مراقبين عرب أو الإشراف على عمليات الاستجواب. وقال، ردا على سؤال حول ما أوردته معلومات صحافية عن اقتراح بان تقوم اللجنة الدولية باستجواب المسؤولين الامنيين السوريين في القاهرة بدلا من لبنان، <<الامر ليس بالدقة التي تتكلمون عنها. لم يطلب منا احد ذلك حتى الان>>.

وكان لافتا في تصريحات موسى إشارته إلى الاهتمام الذي أبداه الأسد بزيارته للعراق. وقال <<كان الرئيس مهتما بنتائج زيارتي إلى العراق، وقد عرضت كافة التطورات والاتصالات التي جرت والاتصالات التي تتم الآن في وجود بعثة الجامعة العربية في العراق>>. ودعا موسى، من دمشق، قوات الاحتلال الأميركية إلى وقف عملياتها العسكرية في منطقة القائم قرب الحدود مع سوريا لإنجاح مؤتمر القاهرة المقرر في 19 الشهر الحالي.

في هذا الوقت، تابع نائب وزير الخارجية السوري وليد المعلم نقل رسائل من الأسد إلى الزعماء العرب وكان آخرهم أمس الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة. أنان وأعرب الامين العام للامم المتحدة كوفي انان للملك السعودي عبد الله في جدة أمس عن أمله في أن تواصل الرياض حث دمشق على التعاون مع التحقيق الدولي.

وقال المتحدث باسم انان ستيفان دوجاريك إن الامين العام <<اوضح بشكل جلي انه يحث سوريا على التعاون>>. واضاف ان <<مصر والسعودية تؤديان دورا في ذلك ونأمل في أن تستمرا في أداء هذا الدور>>.

وقال انان، في مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل، <<ليس لدي أية مؤشرات إلى أن الولايات المتحدة تخطط لعمل عسكري ضد سوريا بغض لنظر عن نتائج التحقيق>> في اغتيال الحريري. وأضاف <<في النقاشات التي أجريتها مع الحكومات، وبينها الولايات المتحدة، يريدون رؤية سوريا تتعاون بالكامل وتساعد في الوصول إلى الحقيقة ويريدون أيضا رؤية وضع في المنطقة حيث لا تتدخل إلى حكومة في الشؤون الداخلية للأخرى>>. وكان انان ابلغ الرئيس المصري حسني مبارك في القاهرة في وقت سابق أمس أن لجنة ميليس طلبت من دمشق استجواب ستة مسؤولين سوريين والتحقيق معهم.

مصادر
السفير (لبنان)