كل شيء بدأ قبل حوالي السنة ونصف السنة، في أحد الفنادق في قلب القاهرة. الجامعة العربية استدعت رؤساء الوسط العربي للبحث في وضع السكان العرب في اسرائيل. المؤتمر، الذي أُسمي "استراتيجية التواصل مع فلسطينيي 48"، جذب إليه أكاديميين وصحافيين كثراً ذهبوا ليتعرفوا عن قرب إلى الأشخاص الذين هم عرب وإسرائيليون في الوقت ذاته ـ فليعجب من لا يعرف الواقع الاسرائيلي المركب. أحد زوار المؤتمر، وهو صحافي لبناني جاء بوجه خاص إلى القاهرة من أجل تغطية الحدث، أنصت باهتمام لغالبية المحاضرات. إنه ذو ملامح غربية، أنيق، ومثل "المستقبل"، إحدى الصحف المعروفة في لبنان والعالم العربي، اسمه عباس اسماعيل، والشاباك يدعي إنه ناشط في حزب الله.

إسماعيل، من مواليد بلدة الخيام في حدود لبنان، يعرف العبرية جيداً، يقرأ بطلاقة ويتكلم مثل مهاجر جديد، إضافة إلى عمله كصحافي يقوم بإعداد دكتوراه عن وضع السكان العرب في اسرائيل في جامعة بيروت. ويقوم في جريدة "المستقبل" ـ جريدة آل الحريري ـ بتغطية الأحداث في اسرائيل.

مشارك آخر في المؤتمر هو حسن مواسي، من سكان باقة الغربية وعمره 26 سنة. بعد عدة سنوات كان يعمل فيها في يومية "الاتحاد"، المقربة من "حداش" (الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة) ، كان مواسي بلا عمل في تلك الفترة ووصل إلى المؤتمر بصفته مساعداً لعضو الكنيست محمد بركة. وهناك التقى اسماعيل للمرة الأولى. بعد سنة على ذلك كان مواسي لا يزال من دون عمل منتظم، وتذكر اسماعيل وتوجه إليه بطلب مساعدته في إيجاد عمل. وحاول إسماعيل مساعدة مواسي، لكنه لم ينجح في فعل هذا لوحده. عضو الكنيست أحمد طيبي أتم الموضوع لصالح مواسي.

بعد أيام عدة على اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق رفيق الحريري، وصل الطيبي الى بيروت في زيارة خاطفة، وزار منزل آل الحريري والتقى هناك جهات فلسطينية. زيارته الثانية، في أيار، كانت أطول وأشمل. وروى الطيبي "حللت ضيفاً على أسرة المستقبل. يعرفونني هناك ويثقون بي، وخلال الزيارة طلبوا مني التوصية بمراسل من اسرائيل يعمل لصالح الصحيفة. كل وسيلة إعلام عربية تحترم نفسها بحاجة إلى مراسل يفيدها بمجريات الأحداث في إسرائيل وعن الجمهور العربي هناك".

قبل حوالي الشهرين، بدأ مواسي بالعمل لصالح "المستقبل". مطالب الصحيفة منه كانت واضحة. عليه أن يمرر للمحرر مقالات لغاية الساعة 14.00 بواسطة البريد الالكتروني. إذا ما وصلت المعلومات متأخرة، تزداد فرص تفضيل الصحيفة لنشر معلومات مشابهة من وكالات الأنباء. لغاية الفترة الأخيرة كان اسماعيل رجل الاتصال مع مواسي بالجريدة، وكان على تواصل يومي معه بواسطة البريد الالكتروني.

في الشهرين اللذين عمل فيهما في "المستقبل" عرف مواسي ذوق محرريه. حسب كلامه، يهتمون في الصحيفة بالمقالات التي تتحدث عن العنصرية، تجاه عرب اسرائيل، وعن القرى المهجرة، وعما يحدث في محيط المسجد الأقصى ونضال الجمهور العربي مثل الإضراب عن الطعام من قبل أعضاء الكنيست ورئيس لجنة المتابعة شوقي خطيب. وقال مواسي: "قلت لهم لدي أيضاً تقارب مع وزراء ومسؤولين كبار آخرين في المؤسسة السياسية، لكنهم في الوقت الحالي يفضلون أن لا أغطي السياسة الاسرائيلية".

ولأن سوق العمل في وسائل الاعلام العربية مغلق تقريباً أمام الصحافيين العرب، فإنهم يتوجهون إلى وسائل الاعلام في الدول المجاورة. اليوم يوجد العشرات من الصحافيين العرب الاسرائيليين الذين يعملون في وسائل الاعلام داخل العالم العربي، اغلبها في دول الخليج. ميزتهم واضحة، فهم يستطيعون تغطية المناطق الفلسطينية وكذلك يتحركون بحرية أيضاً داخل اسرائيل. ويقول مواسي: "من ناحية الأجر لا توجد مقارنة. الصحافة العربية هي صحافة تحترم مراسليها. الأجر عن المقالة كبير ويمكن أن يصل إلى 500 دولار. وهذا يعيل بشيء ما".

قبل عشرة أيام، وصل قبل المساء عنصر شرطة من محطة شرطة باقة الغربية إلى مقهى أبو إسحاق، والد مواسي. كان يحمل أمراً يطالب الصحافي بالامتثال صباح اليوم التالي للتحقيق في شرطة الخضيرة. ويقول مواسي: "ظنت زوجتي أنهم يدعونني لأنهم يشتبهون أنني نقلت المخرب الذي فجر نفسه في الخضيرة أو شيء كهذا"، سمحت لنفسي ان انكّت. في نفس اللحظة لم يكن الأمر مضحكاً. حسب كلام الزوجين، كانت هذه إحدى الليالي الصعبة في حياتهما.

خرج مواسي من التحقيق غاضباً جداً، يخشى على مستقبله. فقد قال له المحققون ان إسماعيل هو ناشط في حزب الله، وإنه إذا قام بالاتصال معه فانه يعرض أمن الدولة للخطر ومن المحتمل أن يحاكم. قرر مواسي مواصلة العمل في "المستقبل"، حيث قال: "هدفي العمل والاسترزاق، هذا ما أوضحته خلال التحقيق. سأواصل العمل في الصحيفة، من دون التحدث مع إسماعيل، وآمل أن لا يسببوا لي المشاكل".

أول من أمس استدعي إلى شرطة الخضيرة صحافي آخر للتحقيق من قبل الشاباك يدعى أحمد أبو حسين مدير موقع "عرب 48" الإخباري. المحققان مع أبي حسين، اللذان عرّفا نفسيهما على أنهما "إريك" و"زوهر" حذراه من الاتصال مع صحافيين عرب هم أيضاً "ناشطو ارهاب" وبشكل خاص مع صحافي لبناني "مرتبط بحزب الله" ومن غير المعلوم إذا كان المقصود في هذه الحالة هو إسماعيل أيضاً. وتم التحقيق مع أبي حسين أيضاً حول الخط السياسي لموقعه وعلى العلاقة بين حزب "بلد"، المنتمي إليه، وبين الموقع. وقد سئل أيضاً عن كيفية اختيار كتاب المقالات في الموقع. وجاء في الموقع ان إدارته ترى في التحقيق "محاولة لفبركة اتهامات وممارسة حملة ضغوط على الموقع بهدف تقييده".

وجاء من مركز "اعلام" الذي يتابع وسائل الإعلام العربية في اسرائيل وكذلك تغطية الجمهور العربي (في إسرائيل) في الإعلام العربي، جاء أن المركز "ينظر بخطورة كبيرة إلى تحقيقات الشاباك ضد صحافيين عرب، تحوّلت في الفترة الأخيرة إلى ظاهرة منتشرة. على سلطات الدولة وضع حد لهذا النوع من التحقيقات". ويدرس المركز تقديم شكوى في المسألة إلى محافل حكومية وكذلك التوجه إلى محافل دولية. وقد ظهرت التقارير عن التحقيق مع مواسي في الصفحة الأولى من "المستقبل" على مدى يومين.

إسماعيل، الذي اتُّهم بأنه ناشط في حزب الله، أرسل بريداً إلكترونياً لمواسي بعد أن علم بأمر التحقيق وجاء فيه: "أنا أفهم وضعك ولا ألومك. أنا أتضامن معك، لا سيما بعد أن قرأت طلبهم السخيف منك بعدم الاتصال بي، لسبب أسخف ـ أنني عضو في حزب الله... لم أعلم أنني مهم وخطير إلى هذا الحد. آمل أن يصدقوا في لبنان الشاباك، لعلي أجني فائدة من ذلك". وتعهّد (إسماعيل) بالاستمرار في الكتابة لمواسي حتى ولو لم يلقَ جواباً.

وقال مواسي: "بمشورة واحدة مع محاميّ قررت عدم الحديث مع اسماعيل. هذه مخاطرة بالنسبة إلي، وربما بالنسبة إليه أيضاً. لكني ملزم بمواصلة العمل، لأننا نحن العرب، الصحافيون أيضاً، في وضع اقتصادي حرج". ويلاحق مواسي ووالده هذا الأسبوع سؤال حول كيفية حصوله على الأجر من لبنان. إذ ليس هناك بنوك تعمل في الدولتين، والسبيل الوحيد هو تحويل أموال إلى بنوك اسرائيلية في أوروبا أو في الولايات المتحدة. وسبيل آخر هو تحويل أموال عبر بنك عامل في الأردن أو في الضفة الغربية.

(التحقيق مع الصحافيين العرب في اسرائيل، هل هو محاولة لمنع تجنيد عملاء لحزب الله أم مجرد كيد؟)

مصادر
هآرتس (الدولة العبرية)