إذا استطعت ببراعة منقطعة النظير و بزهو المنتصرين أن تثبت أن نفوذ الولايات المتحدة بلا حدود، وأن تأثيرها على مجلس الأمن و القرارات الدولية- تسييساً و ظلماً- طاغ، وأن الولايات المتحدة هي روما الاستعمارية الحديثة؛ فلن تحمر أمريكا خجلاً أو تبطل مفعول أي قرار جائر أو مجرم مُرر ضدك، و تسحبه من التداول.

فهل يضير الجزار الحديث عن الدم؟!

رافعة هذه القرارات سياسية بامتياز؛ ولا يخجل مدبجوها أو صانعوها من ذلك. و لن يفيدك أنها كانت قيد الطبخ و الإعداد منذ شهر أو شهور.

هل ينفع سورية ذهولها و قولها إن مخططاً جاهزاً أعدته أمريكا و إسرائيل و يتم تنفيذه في المنطقة؟! و هل الإجراءات و السياسات الأمرو-إسرائيلية جديدة؟!

ألا يجب أن يكون الذهول و الاستغراب إذا غابت الأفخاخ و الضغوطات و المؤامرات؟! أليس مدعاة للذهول و الاستغراب؛ إذا لم تكن الحشودات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني في هذا الوقت ؟! أو أن يتوقف قادة إسرائيل و أمريكا عن توصيف سوريا بأبشع الأوصاف؟! *********

حتى لو كانت سوريا على حق مئة بالمئة، ماذا عساها أن تجني إذا خطّأت كل هذا العالم و تمسكت بصواب ما تقوله أو تعتقده؟! ربما هؤلاء الذين يسدون النصائح إلى سوريا يضيفون إلى نصائحهم قراءة جديدة لمسرحية "نهر الجنون". و لكن المشكلة في نهر الجنون أنك تصبح مجنوناً كالآخرين، و في حالنا الحاضر يبقى الجميع مجانين أو كذابين أو ظالمين أو مفترين ولكن لن نكون من عداد المجانين بل من عداد العالم الآخر.

خيارك الآن ليس إما العزلة أو الانضمام إلى الجماعة كيفما كانوا وكيفما فكروا، ولكن خيارك بين أن تزيل نفسك أو تُزال.

هل ننجو إذا عدنا و فضحنا و "انتقدنا" نواقص و عيوب و أزمات و سلبيات الآخر العدو المستهدف المخطط لإيذائنا؟!لا أدري كم يؤثر على بوش إذا قلنا إن مئات الأكاديميين ينتقدونه و حتى يخجلون من سياسته الخارجية. و لا أعلم كم ستتعدل لهجة بوش و عصابته ضد سوريا إذا تحدثنا عن الفساد المستشري في إداراته. هل نعتقد أنه إذا خرج بوش شبه مطرود من قمة الأرجنتين بأن ذلك سيجعل القرار 1636 أقل خطورة و تهديداً لمصيرنا؟!

و إن كان بوش يلوث العالم بعدم موافقته على اتفاقية كيوتو البيئية؛ فهل سيجعل ذلك البيئة السورية أقل تلوثاً من بيئة العراق التي لازال اليورانيوم المنضّد خصباً فيها؟!

و هل نظن أن قلب ألمانيا سيرق علينا، وبدورها ستؤثر على فرنسا ، إن هزئنا من بلادة عقل بوش و تحيزه الأعمى بوصفه شارون "رجل سلام"؟! و هل استطعنا أن نوقف موافقة العالم على تخصيص يوم للهولوكوست يصدر في اليوم ذاته الذي صدر فيه وعد بلفور/2 تشرين الثاني/؟!

إذا كانت كل تلك التكتيكات و الاستراتيجيات ليست أكثر من مرافعات لا تضع شوكة في وجه هذا الهيجان الأمريكي الذي يجر العالم وراءه فما المخرج من هذه الأزمة النادرة؟

هل نقول: نعم،

- نحن قتلنا رفيق الحريري؟!

_- نحن نساعد و نسهل و نقوم بالعمليات الإرهابية أو المقاومة في العراق؟!

_- نحن من يغذي و ينفذ العمليات الإرهابية الفلسطينية في إسرائيل؟!

_- نحن من يسلح و يدفع حزب الله في أعمال إرهابية ضد إسرائيل؟!

- نحن من يرتكب حماقة علاقات عربية-عربية قومية تحرض على إسرائيل و الولايات المتحدة؟!

_- نحن على علاقة حميمة مع إيران و نسعى لتطوير صواريخ تريد إزالة إسرائيل عن الخريطة العالمية؟!

_- نحن لسنا صادقين بطلب استئناف مفاوضات السلام مع إسرائيل، و نفعل ذلك للخروج من أزمتنا ومن حصارنا؟!

_- نحن باختصار شديد ما تفكرون و تعتقدون و تريدون أن تقولوا عنا أو تريدوننا أن نقول عن أنفسنا؟!

هنا بالتأكيد ستحضر و بقوة "شفقة و عقلانية و توازن و منطقية المجتمع الدولي ممثلاً بالولايات المتحدة و قرار 1636"؛ و سيتدخلون بالقول:

"هذا تعميم؛ نحن نقصد فقط أفراداً في هذا النظام يتمثلون فقط ببشار الأسد و عدد من شخوص النظام ليس أكثر"!

************

في عالمنا، هناك اختلافات بالثقافات: كيف تصلني المعلومة، كيف أفسرها، كيف أفهمها، كيف أربطها بمختلف مناحي الإدراك و الفهم و الثقافة في تقاليدي و حضارتي و ثقافتي و مجتمعي و ظروفي و موقفي و كيف تفعل أنت إن كنت من منبت مختلف.

رغم العولمة القسرية أو الطوعية، و رغم تحول عالمنا إلى قرية صغيرة تصل أي معلومة في الدنيا إلى أي مكان في الدنيا بلمحة بصر؛ إلا أن الاختلافات لا تزال على أشدها بين ثقافة و أخرى و حضارة و أخرى.

و من بين المفاهيم المقصودة أذكر: "السيادة"، "الرئيس"، "الوطن"، "القومية"، " المقاومة"، "الله"، "الأسرة"، "الجندي"، "المساومة"، "الخيانة"، "السياسي"، "السياسة"، "الاحتلال"، "الديمقراطية"، و عشرات أخرى من المفاهيم و القيم و الأحاسيس و المشاعر و الهواجس و الأفكار............

***************

إذا كان عدد الذين تزيد أعمارهم الجسدية و العقلية عن العشرين يبلغ عشرة ملايين في سوريا ؛ و إذا كان هؤلاء يرفضون تماماً أن تهان بلدهم بأي شكل من الأشكال؛ و إن كان كل واحد من هؤلاء يعتبر أن إهانة بشار الأسد أو سورية ستحوله إلى كورية أو إيران في أي مكان وفي وجه أي من يريد النيل من سوريا أو بشار الأسد.

و إن كانت سورية و بشار الأسد قد وضعا أمام خيار "الاستسلام" أو "الاستسلام" مهما رافعوا أو انتقدوا أو فندوا أو صرخوا بأن هناك ظلم و افتراء و كذب و مطالب لا تحتمل، فماذا عسى هؤلاء العشرة ملايين فاعلين؟!

إذا تصرفت سورية بعقل و منطق و توازن في عالم يخلو من العقل و المنطق و التوازن، تكون بلا عقل أو منطق أو توازن.

إنه "نهر الجنون" ، إنه العالم الذي لا ينفعه إلا صلف كوريا و إيران و أمريكا ولا أدري كم هو الفرق شاسع بين كوريا التي تصر على سلاحها النووي و إيران التي تهدد إسرائيل كلاماً بالزوال و إسرائيل التي تهدد الفلسطينيين عملياً بالزوال ، و أمريكا التي تعبث بمصير عالمنا؟!

سوريا لا تمتلك ترسانة كوريا النووية ولا ترسانة إسرائيل و عنصريتها و لا قوة إيران القارة؛ ولا جبروت أمريكا اللامحدودة، و لكنها تمتلك خيار المرافعة عن نفسها حتى تستنفد كل حجة عقلية و منطقية و دليل في الدفاع عن نفسها أمام ظلم الآخرين؛ و لكن إذا كان الخيار إما (الاستسلام) أو (الاستسلام) فهي تمتلك ما لا طاقة للآخرين به.........

سورية تكره الحياة الذليلة