على رغم كل عنف اللهجة التي اتسم بها خطاب الرئيس السوري بشار الأسد، الى حد يوحي بانسداد كل نوافذ التسويات، والإعداد لسيناريوات المواجهة، فإن قراءة الخارجية الأميركية للخطاب لم تكن أقل عنفاً، إن لم يُقل باعتمادها اوصافاً خارجة على اصول الأعراف الديبلوماسية، في التعامل مع قادة دول.

الأوصاف ذاتها ذكّرت كثيرين في المنطقة مرة اخرى، باستحضار «السيناريو العراقي»: كل تشدد يقابله تشدد مضاعف، كل سلوك او خطوة من الطرف المحاصر لا تكفي... وكل عرض تعتبره واشنطن متأخراً، فلا يبقى مجال للتفاوض، وهكذا الى ان يختار الرئيس الأميركي وإدارته ساعة المواجهة، وساحة المنازلة.

وبديهي ان ما قاله الأسد لطمأنة السوريين الى صمود قيادتهم، لم يسعد كثيرين من اللبنانيين لأنهم يعرفون حدود تلك الساحة، بل هو أغضب بعضهم ليس فقط بسبب قسوة نعوت، وإحياء لغة التشكيك من خلال التلويح بالتصدي لـ «17 أيار جديد»... بل تحديداً لأنه أسقط الى غير رجعة أي أمل بتسوية ما، مع الأكثرية الحاكمة في لبنان، تفصل العلاقة بين بيروت ودمشق عن حتمية محاكمة المتورطين باغتيال الرئيس رفيق الحريري. أي، لا تبدد فقط الغيوم الداكنة بين حكومة فؤاد السنيورة والحكم في سورية، بل الأهم انها تخرج دائرة القيادة السورية من أي تداول بالشبهات، مع الإذعان لمحاكمة من يدان بالجريمة.

بالعودة الى «السيناريو العراقي»، آلام الأخوة بين بيروت ودمشق تحيي صورة المرارات بين الكويت وبغداد. لكن تلك، زاوية واحدة كئيبة من مشهد المواجهة التي تنذر سحبها بجولات «تدمير». صحيح ان الرئيس الأسد تحدث عن استعداد سورية للتعاون مع القاضي الألماني ديتليف ميليس، لكنه لم يدع مجالاً للشك في يأسه من هذا التعاون، مهما بلغ. ولأن اليأس يستدعي تعزيز دفاعات الخط الأخير، لا يبقى سوى مواكبة العد العكسي.

بدا الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان متفائلاً بتحفظ برغبة الأسد في التعاون، ولكن ألم يكن أنان هو نفسه الذي لوّح بعدم استبعاد العمل العسكري ضد سورية، عشية الخطاب الرئاسي في جامعة دمشق؟... وهو ذاته الذي فضّل عدم التفكير بالسيناريو العراقي، ولم ينس احد بعد ان أقصى ما فعلته الأمم المتحدة عشية غزو العراق هو حجب الشرعية الدولية عن الحرب، ثم الإذعان لواشنطن في منح الشرعية لقوات الاحتلال.

والسؤال، من دون إغفال الفوارق الكبيرة بين مواجهة عراق صدام حسين التحالف الأميركي – البريطاني، والمواجهة بين سورية ومجلس الأمن المتمسك بالإجماع وبالتشدد، هو ما اذا كانت وشنطن وحدها ام دمشق ستحدد موعد المنازلة ومكانها. لا بأس هنا من تذكّر واقع الخاصرة «الرخوة»، والحلفاء، والشركاء، وفي كل الأحوال يكفي لاستشراف مكامن الخطر عدم نسيان ان القرار 1636 ولد بإجماع الدول الأعضاء في مجلس الأمن، بمن فيهم روسيا والصين، وأنه كان لدى الحلف الأميركي – الأوروبي الحد الأدنى!

ويكفي ايضاً لتلمس المأزق، تتبع سلوك المحاصر و «تجاوبه» مع مقتضيات الفخ، حيث المسرح جاهز، والأدوار سترسم سريعاً، والشهود جاهزون. اما «الاشمئزاز» الأميركي فلن يمضي وقت طويل كي يتحول الى ضجر، والضجر يستتبع فعلاً، كأن المنطقة باتت مستسلمة لأقدار الحروب.

... وأما الانهيار الجديد للخاصرة اللبنانية – اذا حصل – فالأكيد انه لن يبقي ساحة المواجهة تحت السيطرة. اذذاك، اقل ما يمكن ان توصف به آفاق أي علاقة سورية – لبنانية متميزة بأنها مجرد احلام فاترة في شتاء يبدو عاصفاً. والأخطر من ذلك أنه إذا كان مصير سورية وصمودها هما المسألة، فالوجه الآخر للمسألة ذاتها ان مصير لبنان سيكون مجدداً على خريطة الحرب.

لم يتوحد اللبنانيون يوماً كما فعلوا في إجماعهم على كشف حقيقة المتورطين باغتيال الحريري، لكن المأساة ان يفرّقهم عقاب من يُدان بالجريمة، وأن ينقسموا على القاضي، فلا يبقى إلا الانقسام في الدولة وعليها، وكأنها هي المدانة الآن، لتنضم الى الشهداء... قبل الحرب.

مصادر
الحياة (المملكة المتحدة)