في خطابه الطويل الذي تناول فيه الوضع العربي عموماً وركز فيه خصوصاً على الوضع في لبنان، ربما نسي الرئيس بشّار الأسد الأجابة عن السؤال الأساسي وفحواه هل سيتعاون النظام السوري مع اللجنة الدولية في أغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري أم لا؟ لم يكن مطلوباً من الرئيس السوري سوى اعطاء جواب مباشر في شأن ما اذا كان نظامه اتخذ قرارا بالتعاون مع التحقيق الدولي بما يخدم الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة أم انه قرر مقاطعة اللجنة من منطلق أنها تمثّل نظام الوصاية الجديد على لبنان. وهو نظام يعترض عليه اشدّ الأعتراض من منطلق أنه يشكل تهديداً لسورية والأمن السوري.

الأكيد ان الهمّ اللبناني جعل الرئيس السوري يسهى عن الأشارة الى الأحداث الأرهابية التي وقعت في عمان قبل ساعات من القاء خطابه التاريخي والتي راح ضحيتها عشرات العرب المدنيين الآمنين الذين كانوا في ثلاثة فنادق أستهدفها الأرهابيون في العاصمة الأردنية. وقد كان في أستطاعة بشّار الأسد أنتهاز المنسبة لتقديم تعازيه الى ذوي الضحايا او أقله لأستنكار الأرهاب الأعمى الذي يستهدف مدنيين آمنين في بلد آمن مثل الأردن لم يعتدِ يوما على أحد بل عمل كل ما يستطيع عمله لتجنّب شر الاخرين المنطلقين من الدول المحيطة به في المنطقة.

تحدث الرئيس السوري في خطابه الخميس الماضي طويلاً عن لبنان ومما قاله أن هناك من" يتاجر" بدم رفيق الحريري مركزاً هجومه على رئيس مجلس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة وعلى النائب سعد الحريري. وذهب الى حدّ وصف السنيورة بانه "عبدٌ مأمور عند عبدٍ مأمور". لم يقل الرئيس بشار الأسد الذي كان يهاجم الرئيس السنيورة الذي هو في النهاية رئيس مجلس الوزراء في لبنان من هو الآمر الناهي حالياً في لبنان ومن الذي يأمر سعد الحريري؟ بالطبع، يقصد الرئيس بشّار أن قوى أجنبية تسيّر سعد الحريري الذي يسيّر بدوره رئيس مجلس الوزراء في لبنان... في كل الأحوال هذه أتهامات خطيرة كان يفترض في بشار الأسد البقاء في منأى عنها، لا لشيء سوى لأنه ليس لديه ما يستند اليه لدعمها. ليحدد على الأقل من هي هذه القوى علماً أن الساذج يدرك أنه يشير الى الولايات المتحدة وفرنسا خصوصاً والدول الأوروبية عموماً. وهذه قوى تسعى سورية الى الحوار معها بكل الوسائل. لماذا أذا محرّم على لبنان التعاطي مع هذه القوى ولماذا الشكوى السورية من تعاطيها مع لبنان ما دام كل همّ الرئيس السوري مد الجسور معها. أليس من الأفضل للنظام في سورية الأستفادة من العلاقات الخارجية للبنان لتحسين علاقاته بالعالم بدل الأنغلاق على نفسه اكثر فأكثر؟

من أخطر الظواهر التي تلت خطاب الرئيس السوري أنسحاب وزراء حركة"أمل" و"حزب الله" من جلسة مجلس الوزراء التي تطرق فيها البحث الى ما ورد في خطاب بشّار الأسد. ولم يحل ذلك دون أتخاذ مجلس الوزراء موقفاً واضحا يدين ما تضمنه الخطاب من أفتراءات على الرئيس السنيورة. والرجل الذي هو حالياً في موقع رئيس مجلس الوزراء في لبنان لا يحتاج الى شهادة من أحد متى تعلّق الأمر بعروبته وبالتضحيات التي بذلها عندما كان الى جانب الشهيد رفيق الحريري من أجل القضايا العربية، خصوصا عندما كان الأمر يتعلّق بسورية.

في كل الأحوال، يتبين من رد فعل الوزراء الشيعة المنتمين الى "أمل" و "حزب الله"، ان النظام السوري يراهن على أنقسامات طائفية في لبنان تمهّد لعودة الأضطرابات الى البلد. لقد بعث الحزبان الشيعيان الكبيران في لبنان برسالة واضحة الى كل من يعنيه الأمر فحواها أنهما أمتداد للنظام السوري لا اكثر ولا اقل وأنهما ينفّذان التعليمات الواردة من دمشق. واذا شئنا ان نكون أكثر صراحة، أكد الحزبان الشيعيان انهما غير معنيين بأهانة يوجهها رئيس دولة شقيقة الى رئيس الوزراء اللبناني بمقدار ما أنهما معنيان بألتزام تعليمات النظام السوري الذي يعتبر حليفهما الأول هو وامتداداته الأقليمية.

انه رهان سوري في محلّه على أن التركيبة اللبنانية ما زالت هشة وان تظاهرة المليون ونصف مليون لبناني في 14 آذار- مارس الماضي ظاهرة عابرة لا يمكن أن تتكر وأن عقد الذين طالبوا بأخراج الجيش السوري من لبنان أنفرط ولا مجال لأعادة جمعه. أكثر من ذلك، هناك رهان سوري على أمكان اسقاط حكومة السنيورة في الشارع وذلك ممكن خلال فترة قصيرة خصوصاً أنه يكفي اعطاء وعد بالوصول الى رئاسة الجمهورية للنائب ميشال عون، القائد السابق للجيش الذي لديه كتلة نيابية مسيحية كبيرة، كي يتحول الرجل أداة اخرى تستخدم في الوقت المناسب لخدمة سياسات النظام السوري في لبنان. هناك في الواقع الغام كثيرة تركها النظام السوري في لبنان وذلك بغية الوصول الى مرحلة يؤكد فيها للعالم انه الطرف الوحيد القادر على ضبط الأوضاع في البلد. وبين هذه الألغام يأتي بالطبع سلاح "حزب الله" الذي يشكل في الواقع العملي أمتداداً مباشراً للحلف السوري- الأيراني، وهناك السلاح الفلسطيني وهناك التنظيمات الدينية المتطرفة في الجنوب والشمال والبقاع وحتى في بيروت. ومتى أخذنا هذه المعطيات في الأعتبار، يتبين أن الرهانات السورية على أمكان العودة الى لبنان في محلّها، علماً بأن ثمة عوامل أخرى في غاية الأهمية رفض الرئيس بشّار أخذها في الأعتبار في خطابه.

بين هذه العوامل أن مشكلته الأساسية ليست مع لبنان واللبنانيين بل مع العالم. ولذلك صدر عن مجلس الأمن القرار الرقم 1636 الذي يدعو النظام السوري الى "التعاون الكامل" مع لجنة التحقيق الدولية في أغتيال رفيق الحريري وهي لجنة برئاسة القاضي الألماني ديتليف ميليس. وتطالب اللجنة، التي أعتمد مجلس الأمن التقرير الذي أصدرته في 21 تشرين الأول- أكتوبر الماضي، هذه الأيام بأستجواب ستة ضباط سوريين في لبنان وليس في اي مكان آخر نظراً الى ان رفيق الحريري اغتيل في لبنان وليس في اي مكان آخر. وبين هؤلاء اللواء آصف شوكت صهر الرئيس السوري الذي يشغل موقع رئيس الأستخبارات العسكرية. ألم يلاحظ الرئيس بشّار أن القرار 1636 أتخذ بالأجماع وأن العضو العربي في مجلس الأمن أي الجزائر، أنضم الى مطالبي سورية بالتعاون مع لجنة التحقيق؟ أنها أشارة أكثر من مهمة الى مدى جدّية العالم في التعاطي مع موضوع التحقيق الدولي.

لا شك أن في أستطاعة النظام السوري خلق مشاكل كبيرة في لبنان، علماً بان مشكلته الحقيقية منذ أغتيال رفيق الحريري لم تعد مع البلد الجار ولا مع آل الحريري، مشكلته مع المجتمع الدولي الذي دعا النظام السوري الى جلب أدلة لأثبات أنه بريء من الجريمة وعدم الأكتفاء بالتهديدات الموجهة الى لبنان ودول الجوار والى دول المنطقة. مرّة أخرى أن النظام في سورية قادر على خلق مشاكل كبيرة للبنان واللبنانيين من دون ان يعني ذلك أن هذه المشاكل ستفيده في شيء او أنها لا يمكن ان ترتدّ عليه... خصوصاً ان الحقيقة ستظهر عاجلا أم آجلاً وانه يتبين بعد كل يوم يمر ان خطأ أغتيال رفيق الحريري كان في حجم الخطأ الذي أرتكبه صدّام حسين بأجتياحه بلداً عربياً والسعي الى ألغائه.أن أغتيال رفيق الحريري محاولة لألغاء بلد والسيطرة عليه نهائياً. هكذا فهم العالم الرسالة... وأي رد فعل خارج هذا الفهم لا علاقة له بالواقع ولا يسيء سوى الى سورية ولبنان والى شعبي البلدين اللذين لا يمكن للحقيقة الاّ أن تصب في مصلحتهما!

مصادر
الغد (الأردن)