عنتريات لا تنطلي على أحد... وإستكبار على لبنان واللبنانيين!

الخطاب الأخير الذي ألقاه الرئيس السوري بشار الأسد، خطاب بائس بكل المقاييس الداخلية والعربية والدولية، وهو في مضمونه وإسلوبه السوقي الشوارعي المنفر لا يليق برئيس دولة يمثل ثمانية عشر مليونا من الشعب السوري المبتلى منذ أربعة عقود بحكم البعث الطائفي المستبد... كيف يمكن قراءة هذا الخطاب في كافة المستويات:

أولا: سورياً

تجاهل هذا الخطاب كعادة الخطاب الرسمي البعثي للغليان الداخلي الصامت إزاء القمع والإستبداد المخابراتي السوري لشعب بكامله عربا وأكرادا، فلا يمكن تصور حجم القمع ومصادرة حقوق الإنسان في سورية الذي لم يتوقف رغم كل النداءات الداخلية والخارجية، ومن حين إلى آخر يحاول النظام المخابراتي التذاكي على الرأي العام الداخلي والخارجي من خلال الإفراج عن بعض السجناء ليعود لإعتقالهم ثانية، وقد كان مخزيا للنظام وأدواته التي لا تشعر بالخزي مطلقا،إعتقال المعارض كمال اللبواني عقب عودته من الولايات المتحدة، في حين تمت مباركة النظام لزيارة نبيل فياض للولايات المتحدة ذاتها، وعاد آمنا سالما غانما، ومن المعلومات التي لم يعرها الإعلام إهتماما إغتيال إبن الشيخ معشوق الخزنوي قبل أسابيع عند عودته من الخارج،بواسطة دهسه بسيارة مسرعة دون التحقيق في هذا الإغتيال الجبان، وذلك بعد إغتيال والده، ناهيك عن تكميم الأفواه المستمر لكافة منتديات الحواروالديمقراطية وأشهرها منتدى الأتاسي، وإستمرار إعتقال العشرات من النشطاء السياسيين منذ سنوات... كل هذه الأوضاع الأمنية التي تنكد حياة الشعب السوري تجاهلها خطاب الأسد الإبن، مستعيضا عنها للتمويه بشعارات قومجية مستهلكة، تذكر بخطابات البعث الصدامي قبل وخلال كافة المجازر والجرائم التي إرتكبها مثل حربه ضد إيران وإحتلاله للكويت ومقابره الجماعية البشعة ضد العراقيين عربا واكرادا. وفي نهاية خطابه أعلن الأسد الإبن أن (سورية يحميها الله)، دون أن يوضح للشعب السوري كيف وصلته هذه الرسالة الإلهية، وعن طريق أيا من مجرمي ضباط مخابراته، وربما وجدها في أوراق غازي كنعان الذي نحروه قبل إنتحار النظام المؤمل والمرتقب !!!. هذا الإيمان المفاجىء للإسد الإبن يشبه الحملة الإيمانية للمجرم صدام التي اعلنها قبل سقوطه، ورغم ذلك نصر الله أعداءه الغربيين.. لماذا؟؟.

ثانيا: دوليا

أصرّ الأسد الإبن على أن تقرير ميليس يبرىء سورية، دون أن يوضح كيف إستنتج هذا، والتقرير أشار صراحة إلى تورط مسؤولين سوريين وعملائهم اللبنانيين ومنهم المحتجزين الأربعة في بيروت، وأيضا ما زال التحقيقات جارية بعد أن مدّدت الأمم المتحدة مهمة فريق التحقيق الدولي حتى التاسع عشر من ديسمبر القادم، وهو يعتقد أن حركات النظام البهلوانية سوف تخدع الرأي العام العالمي، ومن أكثر هذه الحركات إضحاكا تشكيل لجنة بعثية سورية للتحقيق في جريمة إغتيال رفيق الحريري.... وإذا كان النظام بريئا من هذه الجريمة فلماذا يرفض التعاون الحقيقي مع اللجنة الدولية خاصة إرسال المتهمين السوريين للتحقيق معهم خارج سورية؟؟. جواب النظام هو أن هذا يتعارض مع السيادة الوطنية، وأين كانت السيادة الوطنية عندما تم عام 1989 طرد المناضل الكردي عبدالله أوجلان وتسليمه للمخابرات التركية؟. وأين هي السيادة الوطنية التي تسمح بسجن وإعتقال آلاف السوريين واللبنانيين والعرب؟؟. وأين هي السيادة الوطنية بتناسي الجولان السورية المحتلة منذ أربعين عاما دون إطلاق رصاصة واحدة على الإحتلال الإسرائيلي؟؟. إن السيادة الوطنية كما يفهمها النظام البعث الطائفي في سورية هي سيادة هذا النظام على رقبة وكاهل الشعب السوري بالظلم والسجون والغطرسة، ولا يمكن التضليل بمظاهرات التأييد الضخمة التي يعرف السوريون قبل غيرهم كيف يتم ، إخراجها بالقوة، خاصة العمال والموظفين من مراكز عملهم والطلاب من جامعاتهم ومدارسهم. إن إستمرار النظام البعثي في تحدي إرادة المجتمع الدولي سوف تقوده لمزيد من العزلة، وربما العقوبات الإقتصادية والحصار، رغم أن بنية النظام الفاسدة لن تتأثر من ذلك تماما كنظام صدام الذي إستغل الحصار لمزيد من القمع والجرائم. لو كان النظام البعثي في سورية بريئا فعلا من جريمة إغتيال الحريري، لوافق صراحة وبسرعة على كل المطالب الدولية، ليثبت براءته ويجنب الشعب السوري الويلات، لكن نظاما طائفيا يعتمد على القمع والفساد لن يضحي بماهر الأسد شقيق الرئيس، وصهره آصف شوكت، فهما أغلى من ثمانية عشر مليونا من السوريين، الذين نهب لصوص النظام ثرواتهم، وإلا من أين جاءت مليارات محمد مخلوف وغيره الذين بدأوا في تهريبها؟؟.

ثالثا: لبنانيا

على المستوى اللبناني كان خطاب الأسد الإبن فعلا منفرا، فكيف يعطي نفسه الحق بهذا التدخل القبيح في الشأن اللبناني، معتبرا أن رئيس الوزراء اللبناني (عبد مأمور لعبد مأمور) و (أن لبنان أصبح ممرا لمؤامرات على سورية)... إن العقلية الإحتلالية البعثية التي إحتلت لبنان شعبا ووطنا و ثروة طوال ثلاثين عاما من الصعب عليها تصور لبنان حرا كريما سيدا مستقلا، بعد أن كنستهم إنتفاضة الشعب اللبناني الباسلة في أبريل الماضي... الآن أصبح رؤساء وزراء لبنان عبيدا مأمورين، أما عندما كان بعضهم موظفين صغارا لدى المخابرات البعثية، فقد كانوا أسيادا لدى العبيد أسيادهم... من الصعب أن يتصور البعثيون الطائفيون في سورية أن لبنان دولة حرة مستقلة بدليل رفضهم المتواصل لترسيم الحدود السورية اللبنانية ورفضهم إقامة علاقات دبلوماسية مع لبنان.. فعقليتهم هي عقلية المافيا التي تريد إستمرار لبنان مزرعة لنهبهم ولصوصيتهم ، ولا يمكنهم تصور المستجدات اللبنانية والدولية التي ما عادت تسمح لهم بإحتلال لبنان تعويضا عن الجولان التي لا يستطيعون إطلاق رصاصة من أجلها.. وهذا يذكر بقول الأسد الإبن أنه من الصعب جدا حماية الحدود السورية مع العراق مائة بالمائة... هذا لأن من مصلحة النظام البعثي السوري إستمرار الإرهاب في العراق، بدليل بيانات الداخلية العراقية التي تؤكد أن غالبية الإرهابيين يأتون من سورية... وليت الأسد الإبن يجيبنا: لماذا يتمكن النظام من حماية حدوده مع إسرائيل مليون بالمائة؟. والدليل على ذلك أنه طوال أربعين عاما لم يتمكن أي سوري أو فلسطيني من التسلل أو إطلاق رصاصة واحدة على إسرائيل من الحدود السورية؟؟. هذا لأن العقاب الإسرائيلي يأتي سريعا وضد رؤوس النظام قبل غيرهم، ومن حين إلى آخر تحلق الطائرات السورية فوق القصور الرئاسية السورية لتذكر بأنها موجودة وقادرة على الردع،لذلك فحماية الحدود مع إسرائيل مليارا بالمائة. النظام البعثي الطائفي في سورية أصبح عبئا على الشعب السوري والشعب اللبناني وعلى كافة الأقطار العربية، فهو نظام يعيش خارج العصر والإنسانية.. وإزالته بأي طريقة خدمة للشعب السوري واللبناني أولا !!.

مصادر
إيلاف (المملكة المتحدة)