عتب ابن فارس على بديع الزمان الهمذاني قائلاً له: «فسد الزمان وتغير علينا البديع», فرد الهمذاني: «الشيخ الإمام يقول فسد الزمان, أفلا يقول متى كان صالحاً؟ أفي الدولة العباسية وقد رأينا آخرها وسمعنا بأولها, أم في المدة المروانية وفي أخبارها لا تكسع الشول بأغبارها, أم البيعة الهاشمية, وعلي يقول ليت العشرة منكم برأس من بني فراس, أم الأيام الأموية والنفير إلى الحجاز والصدور إلى الأعجاز, أم الإمارة العدوية وصاحبها يقول: وهل بعد البزول إلا النزول, أم في الخلافة التيمية وصاحبها يقول: طوبى لمن مات في نأنأة الإسلام, أم على عهد الرسالة ويوم الفتح قيل: اسكتي يا فلانة فقد ذهبت الأمانة, أم في الجاهلية ولبيد يقول: ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب أم قبل ذلك وأخو عاد يقول:

بلاد بها كنا وكنا نحبها إذ الناس ناس والزمان زمان أم قبلها وقد روي عن آدم:

تغيرت البلاد ومن عليها فوجه الأرض مغبر قبيح أم قبل ذلك وقد قالت الملائكة: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء. وما فسد الناس ولكن اطّرد القياس ولا أظلمت الأيام ولكن امتد الظلام؟

رحم الله الهمذاني, لو أنه يشهد اليوم ما آلت إليه حال أمة العرب, لترحم على زمانه, واعترف بأن فساد الأزمنة التي ذكرها مجتمعة, لا تعادل طغيان هذا الزمان الاميركي منذ 11 أيلول €سبتمبر€ لغاية اليوم, والعرب يعيشون تحت وطأة ما تنعم عليهم به أوركسترا صقور البيت الأبيض, من سمفونيات حروبها الاستباقية والوقائية والتأديبية, التي تطرب لها دول الغرب, ويرقص على أنغامها الشرق الأوسط على الوحدة ونص... مذبوحاً من الألم, على الرغم من رفض بوش وكونداليزته الساحرة وصقورهم كل ما له علاقة بالـ«النص نص», إذ على العالم تحديد موقفه دون شروط, إما معهم أو ضدهم. فمن كان معهم حظي بالهدهدة والنوم بسلام, ومن كان ضدهم فنصيبه التهديد والوعيد بالنوم المؤبد على الخازوق. ومنذ أطلق بوش إنذاره المشؤوم, يتسارع العربان بكل ما فيهم من شجاعة ومروءة وشهامة إلى تنجير الخوازيق ونصبها في الساحات لبعضهم بعضاً معتقدين أن تعاونهم الكامل في خوزقة أقربائهم الأقربين, سيبعد عنهم شرور البيت الأبيض الزاحفة إليهم الواحد تلو الآخر, والأمر ليس نذالة اميركية طارئة أو تواطؤ دولي عابر... معاذ الله, وإنما لأن عملية تكبير صدر الشرق الأوسط وشفط ثرواته, تحتاج إلى جراحات تدميرية شاملة تعيد نحت الجسد العربي إلى ما قبل الولادة, بحيث لا يبقى عربي مترهلاً, وإنما إسلامياً متغربناً, منزوع الأظافر والأسنان, لا يعض ولا يخرمش, يسدل رموشه بخفر العذارى, كلما أطلق شارون صواريخه لحصد أرواح الفلسطينيين وتوسيع أراضى إسرائيل. جسد رشيق بقالب نحيل وقلب رقيق يخفق, كلما فاضت إنسانية بوش ودان أعمال الإرهابيين الدنيئة في أفغانستان والعراق واخيراً الأردن, وكل مكان تطأه أقدام الموساد والسي آي اي, له فم يأكل ولا يتكلم, لا ينفغر دهشة, ولا يسأل عن سر تزامن تفجيرات عمان مع تواجد شخصية فلسطينية هامة في مواقع التفجير, ولا سر الخبر الذي نشر في صحيفة إسرائيلية عن إجلاء الرعايا الإسرائيليين من الفنادق المستهدفة قبيل الانفجار, ومن ثم التراجع عن الخبر والقول انه كان كاذباً!! ولا يحاول الربط بين دور قد يرتئي الأردن تأديته للتدخل إلى جانب سوريا, أو أي بلد عربي, وبين أعمال إرهابية تعيده القهقرى لينغلق على جراحه.

شرق أوسط كبير سترتش بتفصيلة اميركية مع بعض الخطوط الأوروبية, على المقاييس النموذجية لـ «ملائكة موضة العالم المتحضر»من جاك سترو الى شيراك وتوني بلير ومن لف لفهم وشد على أياديهم المانحة البيضاء في زرع الفرقة العنصرية السوداء, ورعاية التطرف الديني, حيثما حطت مصالحهم رحالها, ما عدا بلادهم التي يحرصون على بقائها واحة للعلمانية والديمقراطية. فطوبى لهم وبؤساً لنا, نحن مجتمعات العرب النائمة على أمجادها, دون الخجل من سبات طال واستطال, حتى اعتقدنا أن حضارتنا القديمة باقية وحضارتهم زائلة, وأن ماضينا المشرف يعفينا من هموم الحاضر والإعداد للمستقبل. وأن أجدادنا وأباءنا الشرفاء الذين سفكوا دماءهم حماية لتراب الأوطان, ومنحونا بلداناً واستقلالاً, لا ينبغي الحفاظ عليها, بل وتسمح لنا بالبطر على العروبة, والتنكر لهوية نفاخر اليوم بالتبرؤ منها. بئس العرب والعروبة في زمن تُنفض فيه الأيدي من قضية فلسطين, ويضرب بوحدة العراق وأمنه عرض الحائط, وتترك سوريا وحيدة في عين العاصفة. وبئس الزمان الذي يطالب فيه جاك سترو سوريا بإرسال «رسالة واضحة جلية لا تقبل التأويل, وهي أن لا تكون محطة للإرهاب ضد إسرائيل!!!», ويهرع العرب مذعورين من المحيط إلى الخليج للضغط على سوريا لتتعاون دون شروط, كما تريد اميركا تماماً. فبئس الزمان زماننا يا بديع الزمان.

مصادر
الكفاح العربي(لبنان)