لبنان وطن يقوم على الحوار نظراً الى تركيبته الديموغرافية المعقدة. وهذا ما دفع معظم اللبنانيين الى التمسك بالديموقراطية التوافقية بعد اعتراض قسم مهم منهم عليها في السابق لتمسكهم بما سموه في حينه الديموقراطية العددية أي ديموقراطية الغالبية، مع ما في ذلك من تعارض مع الديموقراطية التي هي واحدة اساساً ولا تحتاج تالياً الى صفات تلصق بها مراعاة لأوضاع معينة. والحوار داخل مؤسساته وبينها وبين فاعلياته السياسية والحزبية مطلوب أكثر من أي يوم مضى وخصوصاً بعدما دخل مرحلة جديدة، أحبها البعض وعمل لها او كرهها البعض الآخر لكنه تقبلها على مضض مع شيء من الأمل في التخلّص منها في طريقة أو في أخرى، هي مرحلة وضع أسس لبنان الدولة المستقلة والسيدة والحرة والديموقراطية والعادلة والمساوية بين شعوبها بل بين افراد هذه الشعوب في الحقوق كما في الواجبات والفاعلة في محيطها العربي وفي العالم والمرتبطة بعلاقات ندية سليمة ومميزة مع الجار العربي الأقرب سوريا. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو موضوع الحوار المطلوب حالياً بإلحاح أو موضوعاته. ذلك ان اتفاق الطائف لعام 1989 حسم او يفترض انه حسم منذ نحو 16 سنة قضايا اساسية كانت ملتبسة منذ الاستقلال عام 1943 حتى بدء الحروب عام 1975 وكانت السبب في هذه الحروب. واذا كانت هناك في هذا الاتفاق امور غير واضحة واذا كانت فيه ثغر معينة، فان ذلك كله يحل بالحوار الدائم من خلال المؤسسات. ويعني ذلك ان الطائف صار خارج الحوار من حيث المبدأ. ويعني ايضاً ان موضوعات اخرى نشأت في البلاد وخصوصاً بعد انتهاء الحرب بفعل الاتفاق المذكور والرعاية العربية والدولية له وهي التي تقتضي حواراً عميقاً وهادئاً ومنتجاً لأن استمرار الاختلاف عليها يعوق استعادة الوطن عافيته واستكمال اعادة بناء الدولة على نحو مقبول من جميع ابنائها. وهذه الموضوعات تحمل عنواناً واحداً في الظاهر على الأقل هو المقاومة ضد اسرائيل صاحبة الأطماع المزمنة في لبنان وصاحبة التاريخ الحافل بالاعتداء عليه. ويتفرع من هذا العنوان العريض العناوين الثلاثة الآتية:

- سلاح المقاومة والمقصود هنا سلاح "حزب الله" الذي كان له الدور الاساسي وربما الحصري في تحرير لبنان في ربيع عام 2000 من احتلال اسرائيل لاجزاء من جنوبه وبقاعه الغربي دام قرابة 22 عاماً وهو سلاح مهم كمّا ونوعاً وصار اشبه بسلاح الجيوش الى حد كبير.

- تحرير مزارع شبعا التي لا تزال محتلة الأمر الذي يقتضي استمرار المقاومة بسلاحها، والعمل الدائم لتحرير الأسرى اللبنانيين من السجون الاسرائيلية.

- تحصين لبنان في وجه الاعتداءات الاسرائيلية في ظل عدم ضمان توقفها وتعزيز دفاعاته العسكرية والشعبية التي يشكل "حزب الله" و"البحر الشعبي" الذي يسبح فيه جزءاً رئيسياً منها او ربما الجزء الرئيسي.

هل الطريق سالكة الآن امام بدء حوار جدي حول الموضوعات الثلاثة المذكورة بين الاطراف المعنيين بها سواء داخل الدولة ومؤسساتها او خارجها؟

نظرياً هذه الطريق سالكة وآمنة. ذلك ان المعنيين كلهم يرحبون بالحوار بل يطالبون به. لكنه رغم ذلك لم يبدأ حتى الآن. ولم يضع احد آلية له. فاسياد المقاومة اذا جاز التعبير يعرفون ان التجاوب مع الحوار لا بد ان يؤدي في ظل وقوف غالبية "الشعوب اللبنانية" مع حل للمقاومة وسلاحها ولمزارع شبعا وللاسرى في ظل ظروف اقليمية ودولية غير مؤاتية لاطروحاتهم وتحالفاتهم الخارجية الى تشليحهم موقعاً مهماً في السياسة اللبنانية ونفوذاً كبيراً استفادوا منهما لممارسة حق "النقض" وتالياً حق تعطيل اي خطوة او سياسة لا تناسبهم بذريعة انها تصب في مصلحة اسرائيل واميركا وفضلاً عن انهم يشكون في نيات كل الساعين الى ايجاد حل للموضوعات – المشكلات الثلاثة اذ يعتبرون ان هدفها النهائي هو اقصاؤهم بل اضعاف "البحر الشعبي" الذين هم سمكه وتالياً تعطيل دورهم المهم في بناء البلاد. اما اسياد الحوار اذا جاز استعمال هذا التعبير اي الداعون اليه وفي مقدمهم رئيس الحكومة فؤاد السنيورة والتكتلات السياسية المتنوعة التي يمثل فيعرفون انهم لا يستطيعون مواجهة المجتمع الدولي برفضهم قراراته ومنها الـ1559، ويعرفون ان اعادة بناء الدولة من دون هذا المجتمع شبه مستحيلة. ويعرفون ان اتفاق الطائف بما تضمنه في اكثر من مكان يعطيهم الحق في تنفيذ امور كثيرة يعترض عليها اسياد المقاومة في الجنوب وخارجه. لكنهم يعرفون في الوقت نفسه ان عليهم ان يكونوا حكماء جداً كي ينجحوا في اقناع رافضي هذا التنفيذ والمعترضين عليه به.

هل الحوار بين هؤلاء واولئك ممكن او مستحيل؟

هو ممكن اذا لم تكن "لاسياد المقاومة" "أجندا" داخلية أي روزنامة داخلية واهداف داخلية غير معلنة لا يمكن ان ينفذوها وان يحافظوا عليها اذا كانت منفذة من دون السلاح المقاوم الذي يمتلكون ومن دون توظيف انجاز التحرير الذي حققوا قبل نيف وخمس سنوات ومن دون الرعاية الاقليمية المميزة التي حظوا بها على مدى سنوات طويلة ولا يزالون. و"اجندا" كهذه تعني ان تكون لهؤلاء ولمن يمثلون الكلمة الاولى والحاسمة في لبنان. وذلك امر لا يمكن تحقيقه الا بقوة السلاح لأن تعددية المجتمع اللبناني ونظامه الديموقراطي وان شكلياً يحولان دونه. طبعا لا يعني ذلك عدم الاستعداد لبحث هموم داخلية لهؤلاء او لغيرهم. بل يعني ضرورة طرحها علناً للبحث لا تبنيها ضمناً والذمّ بمن يتحدث عنها علناً.

وهو ممكن ايضاً اذا كان ارتباط "اسياد المقاومة" بالخارج الاقليمي الشقيق قومياً ودينياً اي سوريا والجمهورية الاسلامية في ايران لم يمس استقلالية قراراتهم الوطنية وتالياً لم يقلص قدرتهم على رفض مواقف او التزامات من شأن التجاوب معها إما الحاق الاذى بوطنهم الأول والاخير لبنان وإما اغراقه من جديد في أتون من الفوضى وعدم الاستقرار والفتن وربما الحروب. واللبنانيون لا ينكرون المساهمة الكبيرة لهاتين الدولتين في تحرير ما كانت تحتله اسرائيل من اراضي لبنان ولا يرفضون مساعدتهما منفردتين او مجتمعتين في أي مجال يعرفون انهم فاعلون فيه لكنهم يرفضون ان تكون المساعدة على حساب وطنهم واستقراره وعيشه المشترك.

وهو ممكن ثالثاً اذا كان افرقاء الحوار الآخرين صادقين في رفض أي وصاية اجنبية على لبنان وأي انجرار الى معسكر العدو الاسرائيلي واي اضعاف للجبهة العربية في الصراع معه واي استعمال لبلادهم بغية استهداف الممانعين من العرب وفي مقدمهم سوريا ومن المسلمين وفي مقدمهم ايران. واذا كانوا صادقين ايضاً في التزام الطائف وفي رفض الهيمنات الفئوية وفي عدم توظيف المناخ الاقليمي الجديد لاستعادة هيمنات سابقة.

طبعاً لا يبدو الكثير من الشروط المفصلة أعلاه "للحوار الممكن" متوافراً. فالشكوك متبادلة بين الجميع في النيات الداخلية والخارجية لكن الكرة الآن في ملعب "أسياد المقاومة" ومن يمثلون. ذلك ان "الشعوب اللبنانية" الأخرى اعلنت وتعلن يومياً تمسكها بالطائف وعروبة لبنان وحرصها على علاقة مميزة سليمة مع سوريا وان ندية وعلى التوازن في الداخل وعلى التوافق حول كل الامور وعلى رفض الوصاية والتبعية والانسحاب من الصراع العربي – الاسرائيلي وعلى الاستعداد للتفاهم مع الجميع على منظومة دفاعية للبنان تمكنه من الصمود في وجه اسرائيل، واعلنت ايضاً اعتزازها بانجازاتهم وفي مقدمها التحرير وايمانها بأن لا لبنان مستقراً بل لا لبنان من دون دورهم الفاعل فيه لذا صار لزاماً عليهم التجاوب على الاقل لاختبار كل ذلك. اما وضع لبنان و"الشعوب اللبنانية" الاخرى امام "امر واقع" خطير او اكثر من أمر واقع كهذا داخلياً او اقليمياً فلا بد ان تكون نتائجه سلبية على الجميع. فضلاً عن انهم سيخسرون مثلما خسر قبل سنوات طويلة الذين اتبعوا سياسات مشابهة في لبنان وان تحت عناوين وشعارات مختلفة بل ومتناقضة. مع فارق مهم هو ان لبنان سيخسر معهم وربما الى الأبد هذه المرة.

مصادر
النهار (لبنان)