أعاد الرئيس السوري على مسامعنا في تشرين تلك المشابهة الفريدة التي أعملها في آذار بين اغتيال رفيق الحريري في مجزرة مروعة في وضح النهار بوسط بيروت، وبين وفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في ظروف غامضة بعد سنوات من الحصار في مقر المقاطعة. ما وجه الشبه؟ تعمد تكرار هذه المقارنة يوحي بأن المتلفظ بها مؤمن بها. قد لا يكون مقتنعاً بمطابقتها مع ما حدث بالفعل في فلسطين ولبنان، إلا أنه بالتأكيد مقتنع بمصلحته كرئيس دولة في إيراد مشابهة غير معتادة في خطاب سياسي يأتي به رئيس دولة. لماذا؟ ولماذا الخطاب من أصل؟

لا نعرف من أين أتى بشار الأسد بكل هذا اليقين في ما عنى سبب وفاة الرئيس عرفات. اذا كان الأمر يتعدى مجرد <<الحدس>> أو <<التخمين>> فهلا يسلّم السلطات الفلسطينية والفرنسية ما بحوزته من أدلة تفوق ما جاء في التقرير الطبي؟ واذا كان الأمر غير ذلك، فالرئيس مدين باعتذار للشعب الفلسطيني على استخدامه ذكرى عرفات على هذا النحو، من أجل تبرئة رستم غزالة أو جامع جامع. وفي جميع الحالات، سواء قتل أبو عمار بالسم أو بالتسمم، فسنكون أمام احتمال اغتيال سرّي لا يماثل بالاغتيال الفاجر والوقح للرئيس الحريري، بل ان الأخير لو قتل بدسّ السم لهان الأمر قليلاً على ذويه واللبنانيين ولما ارتفع مطلب <<الحقيقة>> بهذا الوضوح وتلك المثابرة. إن المشابهة بين الموتين ضعيفة منذ البدء، وأضعف منها التفسير التآمري الذي يوظف هذه المشابهة التي لا تجوّزها الفطرة. فحتى لو افترضنا أن ثمة من دسّ السم لعرفات، فهذا غير كاف للايحاء بأن الفاعل واحد في الحالتين. على العكس تماماً، سنكون أمام مشابهة تقرّ بأن عدو عرفات قد هدر دمه لأن الراحل قد <<انقلب>> على عملية السلام ولم يعد شريكاً بل تحول الى <<عقبة>>، في حين أن قاتل الحريري قد سفك دمه لأنه هو الآخر <<انقلب>> على علاقة الوصاية ولم يعد <<الابن البار>>.

إن <<المشابهة>> المختلة سلفاً، بين موت عرفات وموت الحريري ستقود الى اتهام اسرائيل بدم الأول، والى اتهام سوريا بدم الثاني، على اعتبار أن كلاً منهما راح يزيل عقبة كأداء من طريقه. إنها مشابهة عديمة النفع تقوم على المماهاة الغيبية بين اسرائيل وعزرائيل، فيكون شارون مثل ملاك الموت ويكون كل من لا تميته اسرائيل أقل شأناً ممن تميته اسرائيل، ويكون المارق يتكرم علينا ساعة يسجل جرائمه في سجل اسرائيل للجرائم، وتكون الخلاصة المنطقية لهذا المنطق أن كل من لا تقتله اسرائيل هو خائن يستحق الموت، وهو خائن لا يستحق قتله أن نتبناه وانما يمكن بسهولة شديدة لصقه بإسرائيل وشارون.

يثبت <<المئة السود>> عندنا بأنهم لا يفقهون شيئاً لا من طبيعة دولة اسرائيل ولا من طبيعة الصراع العربي الاسرائيلي الذي لم يكن يوماً صراعاً بين موت وحياة أو بين خير وشر بل هو صراع محتقن ومزمن بين دول تتناقض مصالحها في ما بينها، كما تتناقض مصالحها وقيمها حتى الآن مع فكرة السلام.

ليس من عنصر قوي للمقارنة بين <<حقيقة>> يكون مركزها وفاة يقدر أنها بالتسمّم أو التسميم (وما بينهما فارق أساسي) وبين <<حقيقة>> يكون مركزها معرفة من قتل رموزاً وطنية لبنانية في وضح النهار.

المشكلة هو أن تنحية مثل هذه المشابهة تستدعي العدول عن معظم ما جاء في الخطاب، الذي لا ينبغي إسقاط الجانب الذي كان يمكن توصيفه بالايجابي لو أن المضامين الأخرى للخطاب لم تفقده هذه الصفة: الايجابي هو أن الرئيس السوري لم يستبعد فكرة <<الصفقة>> من قاموسه السياسي بل أكد على أنه سيحيل أي صفقة الى شعبه، ويطلعه عليها، ويحتكم اليه في أمرها.

ثمة جانب من الخطاب كان يمكن تثميره ليستحق إعجاب العالم، لو لم يؤد الاحتقان وقلة التجربة الى ما أدى اليهما، بل ان الاحتكام المتسرع الى الشارع هو الذي أصاب في الخطاب خللاً. في الوقت نفسه، لا يمكن إدراج الخطاب ضمن خانة <<اللغة الخشبية>>. إنه خطاب جديد قياساً على <<اللغة الخشبية>> ولو كانت الأخيرة أرحم للشعبين اللبناني والسوري من تلك المشابهات السفسطائية التي لا سند منطقيا ولا عينيا لها. لم يسبق للسفسطة أن استعملت في العلاقات الدولية.

سقراط، سقراط، كم تحتاج إليك سوريا.

مصادر
السفير (لبنان)