مَن له عينان للنظر يمكنه أن يلاحظ: يتقدم لبنان بخطى ثابتة ومنهجية نحو أزمة لا تخلو من خطورة. قد تكون هذه الأزمة ناتجة عما يمكننا اعتباره <<انتهاء السياسة>> أو، على الأقل، تراجعها إلى حد بعيد. لنأخذ <<يوم القدس>> مثلاً. يُلام <<حزب الله>> على تصرفه، استعراضاً وخطاباً. ولكن ماذا إذا كنا أمام تصرف يعلن القائمون به أنهم يقتربون من حافة اليأس من <<السياسة>>. يصرف <<حزب الله>> وقتاً وجهداً من أجل أن يقنع الآخرين في حين أنه قادر على الحصول على بعض ما يريد إذا نجح في عرض قوته أمام الآخرين إياهم. لنأخذ القرار 1636 مثلاً. إنه يقوم جوهرياً على نفي السياسة لأنه لا يفتح نافذة لأي حوار أو تفاوض. ومهما تسربل القرار ب<<الشرعية الدولية>> فإنه قرار سياسي له نتائج سياسية هائلة الأثر، وهو لا يفسح في المجال لأي سياسة غير الخضوع السوري غير المشروط. ولا يكف المسؤولون الأميركيون والفرنسيون عن التذكير بهذه الناحية. ولنا في قضية مكان استجواب الضباط السوريين خير دليل على ذلك.

لنأخذ السياسة الحكومية مثلاً. قد يكون فؤاد السنيورة هو أفضل مَن يحتل المنصب حالياً. ولكن ذلك لا يكفي. إن الحكومة، ككل، مستقيلة من أن يكون لها موقف من مجموعة قرارات تهم المصير الوطني اللبناني ومصير العلاقات مع سوريا. لقد أوكلت الأمر إلى <<المجتمع الدولي>> متخلية عن حقها، وواجبها، في قول رأي أو الدفع في اتجاه. هناك مَن يكرر، بطوباوية، أن لبنان لن يكون مقراً أو ممراً لتآمر ضد سوريا. لكن لبنان الواقعي هو مقر وممر للتآمر على النظام السوري. ليست هذه نوايا اللبنانيين كلهم، وليست هذه، بالتأكيد، نوايا فؤاد السنيورة، ولكن هذه هي الحقيقة. هناك مَن يستند إلى مطالب محلية مشروعة لتصفية حسابات لا دخل لها بهذه المطالب. والعجز عن تمييز الحق من الباطل ترجمة لتراجع السياسة.

ويمكن أن نضيف أن تأجيل الموقف من سلاح المقاومة باسم حوار منشود، وتأجيل الموقف من الوجهة الإقليمية الملموسة، وتأجيل التصور الناظم للعلاقات الداخلية، والمحاولات المستميتة لجمع الماء والنار... إلخ، إن كل هذه العناوين تفيد أن السياسة، في العمق، معلقة. أكثر من ذلك، أننا، كمواطنين، أمام عجز مطلق عن فهم أي تصور للبنان تريده الأكثرية في المستقبل المنظور طالما أننا، كما يقال، في مرحلة تأسيسية. لم يتقدم أحد بفكرة جدية. لذلك ليس غريباً ألا نرى تعبيرات يومية عن <<سياسة>> تقود إلى هدف واضح. يمكن الادعاء أن هناك <<إدارة>> للوضع، وهي إدارة شبه يومية، ولكن الفرق كبير بين ذلك و<<السياسة>> بالمعنى النبيل. لنأخذ مثلاً تعبير <<المقاومة أو الفوضى>>. إذا كانت الفوضى نافية ل<<السياسة>> بطبعها، فإن ما يعتبره البعض سياسة متبعة هو أقرب ما يكون إلى احتمال نفي <<المقاومة>>. قد تكون النتيجة المزيج من المقاومة والفوضى أو الفوضى بصفتها شكل المقاومة الأكثر احتمالاً.

لنأخذ <<التحقيق الدولي>> مثلاً. لقد كانت لجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري آثار سياسية مدوية، وستكون لنتائج التحقيق آثار مشابهة (حتى محطات التحقيق تفعل فعلها)، ومع ذلك فإن <<التحقيق>>، تعريفاً، طارد للسياسة. وهكذا، فإن الاقتصاد يُراد تنزيهه عن السياسة، والثقافة أيضاً، والمشاكل الاجتماعية، والإصلاحات... إلخ.

إن هذا التراجع المذهل ل<<السياسة>> هو، في بعض وجوهه، نتيجة. فالاتجاه العام في لبنان هو إلى <<التمحور الطائفي>>، وإلى نشوء أنوية صلبة تلتف جماعتها حولها. وهكذا فإن <<الكتلة العائمة>>، التي تسمى الرأي العام، تكاد تختفي بحيث لا تعود الأطراف المعنية مضطرة إلى مخاطبتها، وإلى استمالتها، وإلى تكييف خطابها وممارستها مع مزاجها.

وهكذا تنشأ اختصاصات تكون قاعدتها كتلة طائفية محددة تملك اختراقات لدى <<المعسكرات>> الأخرى. المقاومة، بصفتها شكل العداء لإسرائيل ومشاريع الهيمنة، اختصاص. و<<الخصخصة>> اختصاص ومعها <<المشروع الإنمائي>>. و<<مكافحة الفساد>> اختصاص... لا أمل، والحالة هذه، بكسب نصير للمقاومة إلى الخصخصة. ولا أمل بإقناع فقير معيّن بضرر الخصخصة إياها. ولا مجال لإقناع مكافح ضد الفساد بأن الفساد ليس اختصاص خصومه السياسيين... إلخ.

حصل الانغلاق. أقفلت الطوائف أبوابها أو كادت. انعدمت لغة الإقناع لصالح لغة التعبئة. وبقدر ما يضمحل الرأي العام الوطني يعجز الرأي العام ضمن كل طائفة عن تحدي القيادة. ويسيطر على الوعي الجماعي للتكتلات وهم أنها كيانات قومية شبه مستقلة يكون المصير اللبناني متطابقاً معها أو تنظر إليه بصفته على حسابها. ليس غريباً، في مثل هذه الحالة، أن يختصر أشخاص قلائل <<اللعبة السياسية>> كلها. يقوم ائتلاف بين ثلاثة أو أربعة، ينهض ائتلاف مقابل، يختار البعض التمايز، ثم تختلط الأوراق ضمن هذا النادي فتسود حالة شبه قطيعية بحيث إن طوائف بكاملها تنام على تحالفات وتستفيق على غيرها من دون مساءلة أو تعبير عن تمرد. لقد أكدت الانتخابات النيابية هذا الواقع ويمكن القول بعد شهور إنه لم يطرأ ما يعكّر هذا الصفاء الطائفي. لذلك لا ضرورة للسياسة، ولا ضرورة لقيام أحزاب تحاول التوسع، ولا حيثية لتبادل الأكثرية والأقلية إلا بالمعنى الديموغرافي للكلمة.

يكفي أن يدخل البلد في توتر حتمي ناجم عن التجاذب الإقليمي والدولي، ويكفي أن يكون التوتر إلى تصاعد، ويكفي أن يثبت التمفصل بين قوى محلية وأخرى خارجية، يكفي ذلك من أجل الاقتراب، بسرعة، من لحظة انقطاع التواصل والسعي، بوسائل أخرى، إلى تعديل موازين القوى. إن هذه هي اللحظة التي ندخلها الآن. لقد أمضى لبنان أشهراً يشاهد عرضاً مسرحياً. كان يقال، عبثاً، إن اللعبة الجدية تدور في الكواليس وهي بعيدة تماماً عما يجري فوق الخشبة. ولكن هناك مَن كان يرفض التصديق ويصر على إيهام نفسه والآخرين. ها هو المسرح يباشر التشقق. ها هي طلائع الكواليس تطل على الجمهور.

مصادر
السفير (لبنان)