عندما أطلقنا مبادرة جنيف في الأول من كانون الأول 2003 سألنا كثيرون عن مغزى الصدى الكبير، في البلاد والعالم، لهذه الخطة، ما دام الأمر يتعلق بمبادرة غير رسمية خرج ضدها بشدة رئيس الحكومة شارون. نحن تحدثنا حينذاك عن جهاز دعاية وتربية يؤدي الى قيام الرأي العام في الجانب الفلسطيني وفي ا لجانب الإسرائيلي بالضغط على القيادات للعودة الى طاولة المفاوضات من أجل التوصل الى تسوية دائمة على غرار صيغة جنيف.

في مبادرة جنيف أردنا أن نثبت لأنفسنا وللعالم أنه ثمة ما يمكن التفاوض حوله وأنه ثمة من يمكن التفاوض معه. نجاحنا كان جزئياً. فالمبادرة تحولت الى قضية للتعليق، وحظيت بتقدير وتأييد كثيرين، ونالت تأييد 40 في المئة من الجمهور في إسرائيل والسلطة الفلسطينية، كما قام عدد من البرلمانات المهمة في العالم (البرلمان الألماني مثلاً) باتخاذ قرارات خاصة تشيد بهذه المبادرة.

لكن لشدة الدهشة، لم يجر تقريباً أي نقاش جوهري بشأن مبادرة جنيف التي وصلت الى كل بيت في إسرائيل. فالخلاف الرئيسي دار حول ما إذا كان من الصحيح دفع الثمن الكامل مقابل السلام، أم أنه من الأفضل دفع ثمن أقل والعمل بشكل أحادي الجانب. اليمين لم يدّع أنه يمكن من خلال المفاوضات الحقيقية تحقيق نتائجج أفضل. وعملياً، اعترف اليمين أيضاً أنه في حال حصلت مفاوضات فإنها ستنتهي على هذا النحو، ولذلك من الأفضل عدم إجراء مفاوضات أبداً، والانسحاب من جزء من الأراضي الفلسطينية من دون اتفاق. نجحنا أقل في سعينا لإثبات أنه ثمة من يمكن التفاوض معه. طالما بقي عرفات على قيد الحياة، كرر جميع منتقدينا الادعاء انه لا يوجد أحد سواه في القيادة الفلسطينية يملك تفويضاً، وأنه شخصياً ليس أهلاً للحوار.

لكن النتيجة غير المتوقعة لمبادرة جنيف كانت ـ بحسب شهادة أرييل شارون ـ قرار شارون بالانسحاب الأحادي الجانب من غزة من أجل كبح الضغط الممكن لتطبيق مبادرة جنيف. بعد عام بالضبط على انطلاقها، وجدت كتلة "ياحد" نفسها وهي تمنع سقوط حكومة شارون، انطلاقاً من رغبتها في ضمان تنفيذ شارون لخطته، ومن ضمنها إخلاء 17 مستوطنة في قطاع غزة إضافة الى أربع مستوطنات شمال الضفة الغربية.

اليوم، بعد وفاة عرفات، بات واضحاً أن الانسحاب الأحادي الجانب سيكون منسقاً مع القيادة الجديدة للسلطة الفلسطينية. وبما أن شارون أوضح أن خطته تندمج مع خارطة الطريق، فمن الواضح أيضاً أن فكرته الأصلية، أي الخروج من غزة وإدخال عملية السلام في جمود عميق، غير قابلة للتحقق. فسيكون عليه أن يواصل من غزة باتجاه التسوية الدائمة.

بعد عام على حدث الانطلاقة، يستطيع مبادرو خطة جنيف القول لأنفسهم أنه أيضاً في وسع مجموعة شخصيات خارج السلطة إحداث حراك فعلي وقيادة الأمور نحو تغيير سياسي كبير.

مصادر
معاريف (الدولة العبرية)