ليس متوقعا من مؤتمر بروكسل "محور من أجل السلام" الذي تنظمه شبكة فولتير تغير الخارطة السياسية، لأننا اعتدنا تاريخيا على التبدل العنيف في مراكز صنع القرار، فمنذ أن تبلورت فكرة "الحرب الاستباقية" لمواجهة "الحرب غير المتوازية" (أو الإرهاب اصطلاحا) والعالم يشهد حالة جعلته بالفعل "مكانا غير آمن". لكن مؤتمر بروكسل يكسر عزلة تريدها الولايات المتحدة واقعا يعيد تشكيل العلاقات الدولية، ويرسم الخارطة الدولية على سياق "الحملات التبشيرية" وهو نسق لا يختلف عن تقسيمنا التراثي لـ"دار الحرب ودار السلم". فهذا المؤتمر يبدد عبر يومين الصيغة التي فرضت على "الحياة المدنية" عالميا خيارا مزدوجا في ثنائية "الاستبداد – الليبرالية"، وضمن لون يعيدنا لزمن القرون الوسطى ولكن بأدوات الحداثة.

عمليا فإن مفهومي "الحرب الاستباقية" و "الحرب غير المتوازية" هما مفهومين أمريكيين بامتياز، والمسألة لا تتعلق فقط باستراتيجيات دولية اليوم، بل أيضا بالحالة الثقافية التي تسود العالم بعد عمليات التضاد الحاصلة نتيجة الإرهاب على محورين: الأول يُقاد من قبل "أشباح" حسب التوصيف الأمريكي، والثاني هو التكوين الخاص الذي ترسمه سياسة المحافظين الجدد للعالم.

العزلة اليوم "عالمية" ... هي محاولة خرق افتراق حاد بين "عالمين"، وهي أيضا صورة لعدم اكتمال المشهد السياسي منذ انتهاء الحرب الباردة. فمفاهيم الفوضى البناءة والفاعلة داخل الدول "حديثة الديمقراطية" توضح أن المسألة بحاجة إلى إعادة نظر حتى يتكون العالم ثقافيا على الأقل وفق حالة جديدة. مؤتمر بروكسل محاولة لكسر العزلة ... لاستباق الرسم الذي يخالف منطق الانفتاح، أو مفهوم العولمة الذي يروجه له دعاة ما بعد الحرب الباردة.

هذا هو العالم اليوم ... والجميع يحاول كسر حاجز العزلة ... ومن يهدد سورية بالعزلة فإنه ربما لا يأت بجديد لأن عالمنا مهدد بهذه الحالة عبر سياسة "الاستباق" مهما كان مصدرها.