ثلاثة أمور تخطر في البال على أثر جرائم التفجير القاتلة في عمان:

أولاً، انه لا حدود منطقية او أخلاقية تحكم وحشية العنف ضد المدنيين إذا كان مدفوعا بعقيدة دينية أو غير دينية تحتكر الحقيقة وتضعها فوق حياة الناس وسعادتهم، ولا قعر لتدهورها الدموي نحو الحضيض. ولذلك لا بد من توحيد الموقف الحضاري الأخلاقي ضدها ومأسسته الى درجة اعتبارها معادية للمجتمع ككل، أي كمجتمع، لا مقاومة ولا يحزنون. أو للدقة: لا مقاومة ولكن يحزنون. لم يفكر المنفذون بالمدنيين ومصائرهم ومصائر أحلامهم الشخصية وأفراحهم في أعراس في فنادق، ولم يفكروا حتى بعمال الاستقبال او الحمالين على أبواب الفنادق وهم أنفسهم من أبناء مخيمات عمان وأحيائها الشعبية. ويبدو أنه كلما عبر هذا النوع من العنف حدوداً وحواجز أخلاقية اكتشف قدرته على عبور أخرى. بل أكثر من ذلك يبدو أن العقيدة المتطرفة تحيد الأخلاق، لأنها لا تقسم العالم إلى خير وشر بل إلى ضد ومع. الهدف هو كل شيء، أما الصيرورة فلا شيء. القضية كل شيء أما الفعل الإنساني فلا شيء، ولا يصح تقويمه بموجب معايير الخير والشر.

في الحالة الميكافيللية الغاية تبرر الوسيلة، وهي على الأقل تفصل بين الغاية والوسيلة فترفع واحدة فوق الأخرى مما قد يدفع الوسيلة لاجتياز حواجز أخلاقية، ولكن إذا كان هنالك بعض المضامين الأخلاقية في الغاية ذاتها فقد يكون موقعها الأخلاقي فوق الوسيلة رادعاً للوسيلة في حالات أخرى، يبقى الفصل في هذه الحالة سيفاً ذا حدين. أما في حالة تسخير هذه المعادلة في خدمة عقيدة مطلقة، أو إذا كانت الغاية مطلقة وغير عقلانية وغيبية وحتى غير معروفة بالنسبة الى منفذين لا يطلبون العقيدة بل الثأر او الانتقام، تتوحد الوسيلة مع الغاية فتصبح هي أيضاً مطلقة. فإذا كانت الغاية هي الترويع أو الردع والتخويف لغرض الانتقام تصبح الوسيلة أيضا هي الترويع والتخويف والإرهاب مع تحول الوسيلة الى مطلقة ومقدسة في هذه الحالة. تتمخض عن وحدة الغاية والوسيلة حالة بربرية بدائية للغاية. لا يجوز الاستهانة بالطاقة التدميرية لوحدة الغاية والوسيلة في عقيدة مطلقة تحتكر حقيقة لم تعد واضحة المعالم بعدما تلطخت بالدم الى هذه الدرجة.

ولكي لا نقلل حتى من قدر هذه الوحشية نقول: ربما لاح هدف سياسي لمن أرسل المنفذين إلى فنادق عمان من نوع تذكير الأردن بأنها لن يزدهر على خراب العراق، وأن من يبني سياسته على الازدهار على مصائب الآخرين، والانتعاش والحرائق تحيط به يبني اقتصاداً على الرمل او على الرماد اذا صح التعبير. وربما كان هدفه الانتقام ضد عمليات «الستار الفولاذي» بهدف الردع، كما أعلن صراحة قبل التنفيذ بأربع وعشرين ساعة. ربما، ولكن من يذكر ذلك؟ فاختلاط الغاية بالوسيلة سيف ذو حدين، إذ يتحول أيضاً موقف الناس من الوسيلة إلى موقف من الغاية أيضاً.

وثانياً، أن «حرب أميركا العالمية على الإرهاب» لم تنجب إلا توسيعاً لفعله على النطاق العالمي ولم تؤدِ إلا الى زيادة الجاهزين للانتحار طلباً للانتقام والثأر، أو طلباً لإلحاق الأذى بالسياسية الأميركية وحلفائها. لقد فند الواقع كل المقولات الأميركية البوشية المتعلقة بالإرهاب. وسقطت مقولة التعامل معه كأنه معسكر أو جيش يتم الانتصار عليه في حرب، أو تتم محاصرته في جبال تورا بورا. ووسعت الحرب الحمقاء مساحات عمله وفتحت جبهات أخرى في مناطق أخرى لم تكن قائمة، مثل اندونيسيا، والأردن ومدريد ولندن. وسقطت المقولة الاسرائيلية التي تبناها المحافظون الجدد ومعهم الإدارة الأميركية أن هذا النوع من الإرهاب يتغذى على أنظمة بعينها وأن الأمر مرهون بتغيير أنظمة. فقد تبين أنه لا يصادق أي نظام، وأن لا نظام يأتمن جانبه.

وأدى سقوط أنظمة قائمة على فرض القانون بالقوة والاستبداد وعلى اعتبار وحدة الأمة رهن بوحدة وانتظام الجيش وأجهزة الأمن إلى انفلات كامل للعنف بعد انهيارها، وإلى نشوء فراغ يحتله هذا النوع من الإرهاب. وثبت أنه لا علاقة للديموقراطية أو توسيع نطاق العملية الانتخابية بوقف الإرهاب، بتعريفنا أو بالتعريف الأميركي، ولا حتى بهبوط معدلات العنف ضد المدنيين. الديموقراطية هي هدف يستحق السعي إليه بذاته إذا كانت نظاماً أكثر عدالة، وليس من اجل «مكافحة الإرهاب» كما يطرح الأمر المحافظون الجدد في أميركا. هذا كلام فارغ في لندن وفي مدريد. والأردن نفسه لا يحكمه نظام تطالب الولايات المتحدة بتغييره.

وثالثاً، أن اجتماع النيو- ليبرالية في الاقتصاد والاستهلاك لدى الطبقات العليا ونشرها كثقافة مهيمنة لدى الجماعات الداعية للإصلاح مع الثقافة سياسية محافظة او غير ديموقراطية او مرتدة على الحداثة يكاد يقسم مجتمعات العالم الثالث عموماً والمجتمعات العربية خصوصاً إلى «شعبين» أو «أمتين» طبقياً واجتماعياً وثقافياً.

الملفت في التفجيرات أنه لا هدف محدد لها، كما يجري الأمر في حالة قصف مدنيي الطرف الآخر في حالة حرب. وتقترب اللامبالاة بشأن مصائر البشر التي تميز هذه التفجيرات وغيرها من مزاج الحرب ضد خصم. إذ يقتل من ينجح طرف في الحرب في الوصول إليه في مواقع الطرف الآخر وتفجيره. طبعاً يدعي الأميركيون أن للحرب قواعد يلتزمونها خلافاً لهذه التفجيرات التي لا تلتزم قواعد، والحقيقة ان التجربة تثبت أنه في حالات وضع هدف عسكري إبان تصعيد الحرب فلا التزام بقواعد عند أميركا قبل غيرها، من هيروشيما حتى العراق. الفرق ليس في احترام قواعد ابان الحرب عند دول من عدمه عند عصابات. الفرق في ان الوضع الاجتماعي الاقتصادي المشوه، إضافة الى نقل السياسات الأميركية لتتحول الى سياسات داخلية داخل المجتمعات العربية يكاد يفرز العرب الى تباين أعمق من الخلاف الحزبي او السياسي او الطبقي: فمن المخيف التفكير أننا قد نكون إزاء ثقافتين، حضارتين، هويتين في حالة حرب يتساءل المرء أحياناً هل يتصرفان وكأنهما شعب واحد.

وإلا فلماذا يتم الانتقام من عملية «الستار الفولاذي» الأميركية الوحشية في غرب العراق في فنادق في الأردن يقطنها أميركيون لكنها تستضيف أيضا أعراس ابناء بلد المنفذين ويعمل فيها أبناء الحارات الشعبية نفسها أحياناً. ولا تفسير لماذا هذا الفندق وليس ذاك. فالمقصود هو أي فندق. لدينا قوى قادمة من هوامش المجتمع لديها تصور سياسي لثقافتين بعيدتين بعداً يكاد يلغي الوحدة في مجتمع مدني واحد. هنالك طرف يرى في الآخر حليفاً لأميركا بأساليب وأنماط حياة استهلاكية يعتبرها انحلالاً وحتى كفراً وجاهلية، مما يذكر بحرب الإسلاميين المتطرفين على المجتمع الجزائري. أما الآخر بثقافته الفرانكوفونية أو الأنكلوفونية فيرى في جزء آخر من شعبه في غيتوات الفقر حالة حسد تهدده، حالة متخلفة ظلامية تهدد نمط حياته المرغوب والذي يصعب تعميمه، أو يرى أفراده في حالات مواقف سياسية يسارية وغيرها كموضوعات تضامن، ولكن ليس ذواتا لعيش مشترك. هنالك كارثة اجتماعية وسياسية لا تنتهي بحرب ولا بخطة حربية. ولن يستطيع أحد في العراق الهروب من الأمر باعتبار منفذي التفجيرات عنده أردنيين وسعوديين، ولن يتمكن أحد في الأردن من الهروب من الموضوع باعتباره من تنفيذ وايحاء عين الحلوة أو العراق أو غيرها. فغيتوات الفقر والجهل والتعصب قائمة في دول العالم الثالث كافة. هذا هو الخطر الحقيقي الذي يجب مجابهته.

والطبقة الوسطى التي تجسر الطبقات وتشكل الأمة الحديثة ليست واسعة بما فيه الكفاية، وهي هشة وضعيفة ومقسمة ومفتتة بين أيديولوجيات الطبقتين الأخريين: بورجوازية الوكالات المرتبطة برأس المال الأجنبي وبيروقراطية الدولة المحلية أو بالاقتصاد الريعي من جهة وأحزمة الفقر والجيتوات والفئات المنحلة طبقي التي هجرت الريف ولم تستوعبها المدينة. ولأن الطبقة الوسطى لم تطرح مشروعها فقد تحولت إلى مسرح مزاودات وصراعات أيديولوجية بين الفئتين، ونمطي الحياة أعلاه. فقد تجد في نفس الطبقة متعصبين ايديولوجيا الى درجة التكفير، ومزاودين في آخر تقليعة سياسية او استهلاكية ومتحللين تماما الى درجة «الديكادانس». لم ترث هذه الطبقة من آبائها طريق المشروع القومي، ناهيك عن تحويله الى قومي ديمقراطي يضمن وحدة الأمة. وذلك لأسباب تاريخية، أو لأسباب متعلقة بالإفساد بواسطة الدولة الريعية، أو ولأسباب متعلقة بتحول القومية العربية في بعض الحالات إلى أيديولوجية أنظمة متخاصمة.

والتدخل الأميركي الأوروبي في الصراع الداخلي يدفع باتجاه تحويل الصراع مع أميركا إلى صراع داخلي، والخلافات القائمة إلى حرب أهلية. وكل ذلك قبل أن ينشأ مشروع طبقة وسطى وطنية واسعة. مرة أخرى يتدخل الاستعمار بشكل مدمر في إجهاض مشاريع وطنية.

ما هو جواب المحافظين الجدد لكارثة في الأردن. لا شك أهم يعتبرونها تأكيداً وإثباتاً لوجهة نظرهم بضرورة توسيع نطاق الحرب على الإرهاب ليشمل دولا جديدة. هل هم سعداء بتوريط قوى جديدة في الحرب على الإرهاب؟ لا ندري، ولسنا مختصين ببحث حالتهم النفسية ومزاجهم. المهم أنه اذا لم ترفع الولايات المتحدة يدها عن ان تكون عاملاً داخلياً في السياسة العربية فلن يكون بالإمكان حتى البدء بالتفكير بتطور طبيعي ضد غيتوات الفقر، وغيتوات أيديولوجية خارج غيتوات الفقر تنتج انتحاريين. لأنه طالما الولايات المتحدة حاضرة كعامل اساسي في السياسة الداخلية فلن يكون بالإمكان تحديد الموقف من أي شيء يجري بمدى فائدته وضرره للمجتمع ومدى مساهمته في تطويره وبناء مؤسساته بل بحساب هل هو مع الموقف الأميركي أو ضده. سيكون بإمكان البعض تعليل أي عنف من نوع تفجير فنادق عمان بالمقاومة. ولا مقاومة ولكن يحزنون.

مصادر
الحياة (المملكة المتحدة)