مرت على المنطقة العربية مجموعة من الأحداث، مختلفة في الموضوع، ولكنها رغم اختلافها تصب كلها في مجرى سياسي واحد، وهو ضمان السيطرة الأميركية، وضمان مكانة مميزة لإسرائيل داخل هذه السيطرة. نبدأ من اتفاق المعابر الذي تم إنجازه من أجل تسهيل الحركة بين قطاع غزة ومصر، وبين قطاع غزة وإسرائيل، وبين قطاع غزة والضفة الغربية. ولا نريد هنا أن ندخل في تفاصيل الاتفاق، واي النقاط كانت لصالح الفلسطينيين وأيها كانت لصالح إسرائيل، إنما نريد أن نتوقف عند الكيفية التي جرت فيها المفاوضات. المعابر ليست نقطة خلاف بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، فإسرائيل موافقة من حيث المبدأ على فتح المعابر، ولكن الخلاف يدور حول الشروط. بمعنى آخر فإن القضية فنية يمكن للوفود أن تبت بها، ولكن ما حصل على الأرض كان مغايرا لذلك، إذ عجزت الوفود عن التفاهم بعد سلسلة طويلة من اللقاءات، واستدعى الأمر أن يتدخل العالم كله من أجل حل هذه المشكلة الصغيرة. جاءت الولايات المتحدة الأميركية بوزن وزيرة الخارجية كونداليزا رايس، وجاء الاتحاد الأوروبي بوزن خافير سولانا منسق السياسة الخارجية الأوروبية، وجاء ....... ولفنسون مندوب اللجنة الدولية الرباعية الراعية لخريطة الطريق، وعمل كل هؤلاء كوسطاء بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية لمعالجة مشكلة بديهية تمارسها الدول يوميا على امتداد العالم كله. ورغم كل هذا الحشد الدولي فإن ما أمكن الوصول إليه أخيرا هو نوع من الحل الوسط الذي يرضي إسرائيل. وتثير هذه التجربة تساؤلا حول قضايا التفاوض الأخرى، غير المتفق عليها من حيث المبدأ، فإذا كان التفاوض حول مسألة جزئية متفق عليها استدعى كل هذا الحشد الدولي الضاغط، وكل هذا الشد والجذب في نقاط تفصيلية صغيرة من نوع: من يبت بدخول هذا الشخص أو ذاك عبر الحدود، المراقب الإسرائيلي من بعيد أم المراقب الأوروبي في غرفة المراقبة؟ فكيف سيكون الحال إذا عندما يبدأ التفاوض (هل سيبدأ؟) حول القضايا الكبيرة الأخرى المختلف عليها (الحدود، القدس، الاستيطان، حق العودة)؟. الجواب ليس خافيا على أحد، وقد جاءت تجربة التفاوض حول المعابر لتوضحه بجلاء ليس بعده جلاء.

إن هذا النوع من التفاوض الإسرائيلي يتضمن رسالة سياسية واضحة: لن يحصل الفلسطينيون إلا على إنجازات تخضع للهيمنة الإسرائيلية بالكامل، بدءا من قضية المعابر وانتهاء بموضوع الدولة.

ومن المعابر إلى مؤتمر البحرين الذي عمل على إنشاء (صندوق المستقبل) و(مؤسسة المستقبل)، وأسفر عن تخصيص مبلغ مالي كبير من أجل دعم مؤسسات المجتمع المدني في بلاد (الشرق الأوسط الكبير)، ونشب الخلاف حول كيفية صرفه، هل يصرف لمؤسسات المجتمع المدني الموجودة والمعترف بها قانونيا أم يصرف أيضا لمؤسسات مجتمع مدني لا تزال في رحم الغيب؟ وأدى هذا الخلاف إلى عدم صدور بيان سياسي كان منتظرا.

إن التجربة الأميركية في هذا السياق جديرة بالتأمل، إذ توجد علنا ثلاثة صناديق أميركية لتمويل مؤسسات الاعلام العربي، والنقابات العربية، ومنظمات المجتمع المدني، ولا يوجد لهذا من معنى في عالم المال والتمويل، سوى المعنى الذي يتطلع إلى شراء الذمم لبناء مؤسسات داعمة للفكر الأميركي وللسياسة الأميركية الحديثة. إنها أول عملية شراء للذمم تتم هكذا بشكل علني وتتجه نحو مؤسسات أساسية في المجتمع. كانت هذه العمليات تمارس على امتداد القرن العشرين بصورة سرية، وكان من يضبط متلبسا بها يتهم بالعمالة أو الخيانة، لا لبلده فقط، بل لقيم الاستقلالية وحرية الرأي، وما تسعى إليه واشنطن الآن هو تحويل العمالة والخيانة إلى سياسة رسمية وعلنية للإدارة الأميركية، مع الحرص على نيل موافقة الدول المعنية عليها، وهو ما تعرقل في مؤتمر البحرين.

لقد شنت الولايات المتحدة الأميركية حملات إعلامية ضارية على امتداد القرن العشرين، ضد ما كان يعرف باسم (لجان السلام) التي دأبت الأحزاب الشيوعية على تأسيسها في العالم كله، وكانت حجة الولايات المتحدة في هذه الحملات أنها ممولة من الاتحاد السوفياتي، مع أنها كانت مؤسسات حزبية بحتة، تمولها الأحزاب التي تقف وراءها، وهي كانت أحزابا قوية وقفت مراراً على أبواب الحكم في العديد من الدول الأوروبية، وحتى في بعض الدول العربية مثل الحزب الشيوعي في العراق والسودان. ولم يكن خافيا في الوقت نفسه، أن المخابرات الأميركية C.I.A تمول سرا العديد من النشاطات العالمية ضد الاتحاد السوفياتي، من اتحادات الكتاب، إلى احتفالات الموسيقيين الكبار، إلى اتحادات الصحافيين، وانتهاء بالعديد من المجلات الفكرية والأدبية. ولكن كل ذلك كان يتم سرا، وكانت الفضيحة تندلع عندما ينكشف أمر تمويل الـC.I.A لمؤسسة ما، فيستقيل رجالها خجلا أو احتجاجا، ووصل الأمر ببعضهم إلى حد الانتحار عندما علم أن مجلته الأدبية العربية تمول سرا من تلك الجهات.

إن الولايات المتحدة لا ترغب في تشكيل أحزاب عربية مؤيدة لها، وهي تسعى للوصول إلى الهدف نفسه من خلال منظمات المجتمع المدني، لتكون هذه المنظمات أحزاب المرحلة، وأحزاب الفكر الأميركي الجديد. ومن المؤسف أن شيوع هذه الفكرة سوف يقوض سمعة منظمة المجتمع المدني الشريفة، فتخسر مجتمعاتنا نفوذ هيئات مدنية نحن في حاجة إليها، حتى أننا نشهد منذ زمن سجالا داخليا مع هذه الهيئات حينا وضدها أحيانا أخرى، بسبب طبيعة تمويلها. وقد برز هذا السجال بشكل خاص في فلسطين (الضفة والقطاع)، وفي مصر أيضا، وذهب في مسيرة هذا السجال الصالح بجريرة الطالح.

وبدأنا نسمع أخيرا، وبمناسبة زيارة سلفان شالوم وزير خارجية إسرائيل إلى تونس، حديثا متواترا عن نمو حركة التطبيع العربية ــ الإسرائيلية، وأن هذا التطبيع يشمل دولا في الخليج العربي حتى لو لم تعلن عن ذلك. لا نريد هنا أن نناقش قضية التطبيع، لا من حيث المبدأ ولا من حيث ارتباطها بالتسويات السياسية. إنما نريد أن نشير إلى الفهم الأميركي لمسألة التطبيع وعلاقتها بدول الخليج العربي. قبل سنوات، عقد مركز دراسات محترم في إحدى العواصم الخليجية ندوة حول إسرائيل وأمن الخليج، وقدم باحث أميركي مرموق دراسة حول هذا الموضوع يمكن تلخيص فكرتها الرئيسية بما يلي: هناك في المنطقة (منطقة الشرق الأوسط كما يحب الأميركيون القول) اقتصادان قويان فقط هما الاقتصاد الإسرائيلي واقتصاد دول الخليج العربي. وهناك ثلاثة أطراف عربية أخرى هي مصر والأردن وفلسطين تتصارع فيما بينها لتحظى بلعب دور الوسيط بين هذين الاقتصادين. والنتيجة التي يصل إليها البحث هي ضرورة قيام تعاون بين اقتصاد إسرائيل واقتصاد دول الخليج من أجل توفير الأمن في المنطقة. وبهذا المنظور الأميركي الاستراتيجي نجد أن المسألة تتجاوز فتح مكتب علاقات لإسرائيل هنا أو هناك، وتتجاوز قيام رجال أعمال عرب بزيارة إلى إسرائيل ولو سرا، وتصب مباشرة في تطلع إسرائيل إلى قيام علاقة بينها وبين النفط العربي، علاقة تبدأ بشكليات سياسية (مكاتب وزيارات) ثم تمر في مرحلة التعاون والتبادل الاقتصادي واستحضار رساميل أجنبية للاستثمار، وتنتهي بأن إسرائيل قادرة عسكريا على توفير الحماية للنفط والاقتصاد المتنامي من حوله، ضد خطر من نوع خطر العراق أو ايران.

إنها كلها أحداث متباعدة، تبدو وكأنها لا علاقة فيما بينها، إذ ما هي العلاقة بين معبر رفح والنفط العربي؟ ما هي العلاقة بين منظمات المجتمع المدني وبين التطبيع العربي الرسمي مع إسرائيل؟ أما في الجوهر فإن الترابط بين المسائل قوي جدا، إذ هناك سعي للهيمنة الأميركية على المنطقة، يجر وراءه سعيا لهيمنة إسرائيلية. والهيمنة مسيرة واحدة لا تتجزأ، تبدأ من كاميرات معبر رفح، وتكاد لا تنتهي عند تخوم آبار النفط العربي.

هل نحن متشائمون؟ نتمنى ذلك.

مصادر
الشرق الأوسط (المملكة المتحدة)