عندما قامت الوحدة بين سوريا ومصر في 22 شباط 1958 كانت شروط مصرية أو (ناصرية) بشكل أدق على السوريين الموافقة عليها لقيام الوحدة، يمكن اختزالها بـ(لا مكان للتعددية) سواء على صعيد السياسة أو الصحافة أو الصناعة أو التجارة، وكان البديل في تلك المرحلة (حسب المفاهيم السائدة في ذلك الزمن) لمن كانوا في سدة القيادة، أن اتخذوا لبلادهم الخط الأقرب إلى اليسار أو إلى المعسكر الاشتراكي دون مشورة شعوبهم أو أخذ آرائهم أو حتى دراسة واقعهم (هل بلادهم بحاجة إلى أنظمة كهذه فعلاً؟) وبدا أن فورة وطنية جعلتهم يقررون ذلك الاتجاه، خاصة وأن الوطن العربي في تلك المرحلة كان يئن تحت وطأة الحرقة والألم من اغتصاب فلسطين 1948 ومن تجبُّـر القوى الاستعمارية وتأييدها المطلق لإسرائيل، فكانت ردة فعل بعض الحكام الاختيار الاشتراكي والنضال من أجل التحرير، وأصبحت القضية الفلسطينية في ذلك الزمن القضية (المحورية) لبعض الدول العربية، و(التجارية) لبعضها الأخير (حسب تعبير الشاعر نزار قباني: كانت فلسطين دجاجة من بيضها الثمين تأكلون...). وكانت نهاية الوحدة مؤلمة في 28 أيلول 1961 عندما حدث الانفصال الذي استمر حتى 8 آذار 1963 وعاد الوضع منذ 1963 على منوال ما خططته الوحدة، فاتجه إلى اليسار دون وجود مقومات حقيقية أو أرضية تجعل هذا الاتجاه منطقياً أو واقعياً، كما رأى البعض. وامتد الزمن واستقت سوريا من تجربة (الصديق السوفييتي) المنظمات الشعبية وتقولبت بعض النقابات المهنية التي كانت موجودة قبل أن يحدث ما حدث، وأضيفت إليها نقابات أخرى واتحادات إلخ... وبات الصراع الفكري هو السائد على الساحة السياسية، وبرز خلاف على: أيهما أصح (الطليعة أم النخبة)؟ وانتصر أصحاب فكرة الطليعة على أصحاب فكرة النخبة بعد عدة تحليلات وتنظيرات باتت لا تنتهي.. ونتج عن هذه الطليعة التي أُوجدت في المنظمات الشعبية، أو النقابات أو الاتحادات إلخ... جيل ثم تلاه آخر ثم آخر، دون جدوى تذكر، إلى أن وصلنا إلى نقطة لم نعد نجد بعدها أحداً من الطليعة يسد مكاناً ما بالشكل المناسب، أو يقوم بعمل ما، إلا ويرتكب الخطأ تلو الآخر، حيث كان قد نشأ وترعرع في جو من الفوضى والارتجال واللامنطقية والإحساس بالتفوق على الآخر، وإقصاء ذلك الآخر إن ركبه العناد، دون مسوّغ عقلاني أو تفوق حقيقي (إن صح التعبير) وأصبح المتفوق هو من يحفظ الشعارات ويرددها دون فعل حقيقي على الأرض، كونه من الطليعة دون منازع.. أما من كانوا من النخبة الخاسرة فقد حمل بعضهم رؤوس أمواله خارج سوريا ومنهم من ساير ما حصل فتحول من نخبة إلى (لانخبة) ومنهم من اعتزل ودخل في سبات عميق.. وكانت النتيجة أن أصبحنا نسبح في بحيرة من الفساد لا نعرف لها أولاً من آخر.

فلا المنظمات ولا الاتحادات والنقابات لعبت الدور المناط بها كمصانع للرجال على مختلف اختصاصاتهم ولا الوزارات المعنية استطاعت إنتاج أجيال يعتمد عليها إلا فيما ندر أو من خلال جهود شخصية للأفراد.. وليس أدل على ما نقول سوى العودة إلى مناهج التعليم بدءاً من المرحلة الابتدائية وانتهاء بالجامعية، ورغم جميع القرارات التي صدرت خلال الفترة المنصرمة أي خلال سبعة وأربعين عاماً (معسكرات بأنواعها.. إنتاجية.. تعليمية.. أو بحث علمي وورشات عمل...) فإن شيئاً مما كنا نحلم به لم يحدث. قد يقول قائل: ما الحاجة إلى هذه المقدمة التاريخية؟ وجوابنا (إن هذه الأجيال لم تتعرف على ما سبق، بدليل أنها ورثت خللاً بعد آخر، ولم تتعرف على الحياة إلاَ من خلال الأنا الشخصية التي نشأت عليها).

فما تفسير عدم القدرة على مواكبة العالم المعاصر حتى الآن؟ وما سر عدم وجود أشخاص مؤهلين لمراكز يمكن أن يحتلوها، ويكونوا فاعلين فيها على غير الطريقة التقليدية التي عاشتها سوريا خلال سبعة وأربعين عاماً؟.. لماذا نعود الآن لمطالبة (النخبة) بالعودة برؤوس أموالها وللقيام بعمل وطني على الأرض السورية.. لماذا؟ ولماذا؟... أليس بسبب إحساسنا بالخطأ المرتكب بحق تلك النخبة؟ لماذا لا نعترف إذاً ونوجه نداءً وطنياً لجميع السوريين الفاعلين في الداخل والخارج للعمل صفاً واحداً من أجل إخراج الوطن من محنته؟

يبدو أن الحل يكمن أولاً بإتاحة الفرصة لهؤلاء النخب (رغم قلة عددهم) للعمل ومنحهم الضوء الأخضر لذلك ووضعهم في مراكز القرار، إضافة إلى إقامة (دورات تأهيل) مكثفة لأشخاص مختارين بعناية واختيار من يدربهم في هذه الدورات (بعناية أكبر) و توسيع دائرة محاسبة بعض الطليعة على ما اقترفوه بحق وطنهم ومواطنهم، كما أننا بحاجة للمصارحة، والاعتراف بأنه كان هناك خلل في فهم طبيعة النظام الاشتراكي في زمنه، وليس في النظام ذاته ربما... وبحاجة إلى أشياء.. وأشياء... وعندها.. نكون قد جسدنا الوحدة الوطنية، قولاً وفعلاً..