القدس المحتلة ـ رويترز: بعد أن أعاد تصميم نفسه يريد «البلدوزر» الاسرائيلي، ارييل شارون، أن يعيد رسم المشهد السياسي في الشرق الاوسط الى الابد. وبعد أن كان معروفا بأنه الصقر الاسرائيلي الذي يحث المستوطنين على وضع أياديهم على الاراضي المحتلة ويرفض توقيع أي اتفاقات مع الفلسطينيين، أدار شارون دفته نحو اليسار لتشكيل حزب وسطي سيكون منهجه السعي لتحقيق السلام والتخلي عن المستوطنات المعزولة. لكن شارون لم يصبح من الحمائم أيضا اذ انه تعهد بالابقاء على المستوطنات الكبرى في الضفة الغربية في إطار رؤية استراتيجية بعيدة المدى مثيرا مخاوف الفلسطينيين من أنه قد يفرض حدودا من جانب واحد بما يجعل إقامة دولة فلسطينية أمرا مستحيلا. غير ان التحول الذي بدأ بخطة الجنرال السابق، 77 عاما، للانسحاب من قطاع غزة، التي لاقت شعبية كبيرة في اسرائيل، اكتمل أمس بانسحاب شارون من حزب الليكود اليميني بعد أن اخفق الحزب في الانصياع لقيادته.

والتخلي عن حزب ساعد هو في تأسيسه قبل ثلاثة عقود، هو خطوة لا تأتي إلا من رجل أتقن فن الإقدام على المخاطر. فهو كجندي ورجل سياسة كان دوما يسعى وراء ما يريده بالضبط حتى لو كلفه خسارة الاصدقاء القدامى وأدى الى الطرق على نقاط حساسة.

ويقول المحلل السياسي جيرالد شتاينبرج «دائما ما تكون له المبادرة، وعادة ما يؤدي هذا الى نتائج جيدة». وتابع: «وجه منتقدو شارون انتقادات له قائلين انه لا يملك استراتيجية بل تكتيكات. وأثبت شارون أنهم على خطأ في كل مرة».

وقبل أن يحدث شارون صدمة في الأوساط الاسرائيلية بالكشف عن خطته للانسحاب من غزة، لم يكن هناك أي مؤشر على أن الرجل الملقب بالبلدوزر بسبب أسلوبه القاسي قد يغير اتجاهه ليخلف تراثا مختلفا تماما.

وحارب شارون في كل الحروب التي خاضتها اسرائيل محققا انتصارات عديدة في ساحة القتال متحديا في بعض الاحيان القادة العسكريين الاكثر توخيا للحذر.

ويذكر العالم العربي لشارون تدبير غزو لبنان في عام 1982 الذي قتلت خلاله ميليشيا مسيحية متحالفة مع اسرائيل مئات الفلسطينيين في مخيمي صبرا وشاتيلا. وحمله تحقيق اسرائيلي مسؤولية غير مباشرة.

واتهمه الفلسطينيون بأنه هو الذي دفعهم للانتفاضة بعد تعثر محادثات السلام في عام 2000 بدخوله ساحة الحرم القدسي حينما كان زعيما للمعارضة. ويرى كثير من الاسرائيليين أن الانتفاضة كانت مخططة بالفعل.

وانتخب شارون رئيسا للوزراء في عامي 2001 و2003. وتعهد بأنه سيتخذ اجراءات صارمة بحق النشطاء المسؤولين عن التفجيرات الانتحارية. وحصل شارون على تأييد واسع النطاق في اسرائيل ولكنه اتهم على الصعيد الدولي باستخدام القوة بشكل مفرط.

وأثار رسام كاريكاتير بريطاني غضب الاسرائيليين عندما صور شارون بأنه وحش يأكل طفلا فلسطينيا. ووضع شارون خطة للتخلي عن جميع مستوطنات غزة، وعددها 21، وأربع مستوطنات من أصل 120 مستوطنة في الضفة الغربية، وروج لها على أنها خطوة أحادية الجانب «لفك الارتباط» من الصراع مع الفلسطينيين.

وثار اليمينيون الذين أقنعهم شارون بالتوطن في كل قطعة أرض بعد أن احتلت اسرائيل غزة والضفة الغربية خلال حرب 1967، بسبب ما رأوا أنه خيانة من بطلهم القديم. ولكن شارون استطاع من خلال تشكيل تحالف مع حزب العمل اليساري أن يهزم المستوطنين وحلفاءهم من حزبه الليكود واكمال الانسحاب من غزة في سبتمبر (أيلول) الماضي. وبعدها بأيام حصل شارون على لقب صانع السلام وقوبل بالاشادات في مقر الجمعية العامة للامم المتحدة التي كان أعضاؤها غالبا يتخذون موقفا عدائيا من اسرائيل. ودعا شارون وقتها الى التوصل لحل وسط مع الفلسطينيين قائلا انهم يستحقون دولة. لكن رؤية شارون الخاصة بدولة فلسطينية تقع حول مناطق في الضفة الغربية يريد الابقاء عليها كأراض استراتيجية لا تزال مختلفة تماما عما يتصوره الفلسطينيون. ولا يبدو أن شارون سيخفف من موقفه بشأن الاحتفاظ بأكبر المستوطنات أو القدس الشرقية المحتلة منذ عام 1967 والتي جرى ضمها في خطوة لم تحظ باعتراف دولي كجزء من عاصمة اسرائيل. ويريد الفلسطينيون القدس الشرقية لتكون جزءا من دولتهم.

ويصر شارون على ضرورة أن تنزع السلطة الفلسطينية أسلحة الفصائل قبل إجراء محادثات إقامة الدولة، وهو إجراء تعهد الفلسطينيون بتنفيذه في اطار خطة «خريطة الطريق» للسلام، ولكنهم الآن يخشون أن يؤدي الى نشوب حرب أهلية.

ومن ناحية أخرى، يأخذ الجدار الذي أمر شارون ببنائه شكل خط حدودي محتمل في المستقبل، سواء أكانت هناك مفاوضات أم لا. وتقول اسرائيل ان الجدار يمنع المفجرين الانتحاريين من دخول أراضيها. ولكن الفلسطينيين يرون أنه استيلاء على الاراضي يهدف الى حصارهم داخل أجزاء متناثرة من الأراضي.