هآرتس

بعد أيام قليلة على قتل إسحق رابين قام شمعون بيريس بدعوة قادة حركة ميرتس للبحث في الخطوط الأساسية لبرنامج للحكومة. ممثلو اليسار طلبوا بأن تعبر الوثيقة عن تأييد حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. لم يتوقع أحد أن تكون لمهندس اتفاقات أوسلو مشكلة بعد عامين من الاعتراف المتبادل والاتفاق بين حكومة إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية مشكلة في ذلك. ولكن لشدة المفاجأة نظر إليهم بيرس نظرة متفحصة وتساءل: "ألا تدركون أن ذلك يعني إقامة الدولة الفلسطينية؟". "بالتأكيد"، رد عليه الضيوف كشخص واحد. "ومن قال لكم إنني مع الدولة الفلسطينية؟"، رد عليهم رئيس الحكومة وأضاف: "أنا من أنصار التقاسم الوظيفي". بعد ذلك بفترة قصيرة رفض بيريس اتفاق بيلين ـ أبو مازن مدعياً أن الجمهور سيعارض التنازل عن غور الأردن. ومن ثم همش المسار الفلسطيني لصالح المسار السوري ووصل في كلا المسارين الى طريق مسدود. بيريس الذي يتحمل مسؤولية إقامة عدد لا يحصى من المستوطنات ومن بينها آرييل، يجد صعوبة حتى اليوم في التخلي عن "الخيار الأردني". إيهود باراك رئيس الحكومة التالي عن حزب العمل بحث هو الآخر عن مفر من الاتفاق مع الفلسطينيين من خلال أحضان حافظ الأسد. وفقط بعد الإخفاق الذريع في المفاوضات مع سوريا، حاول فرض شروط التسوية الدائمة على عرفات وعلى رأسها حدود الدولة الفلسطينية.

إذا كان شمعون بيريس يعتقد أن السلام يبشر بميلاد شرق أوسط جديد فإن براك اعتاد تشبيه إسرائيل بـ"الفيلا الموجودة في الأدغال". مبادئ تسويته مع سكان هذه الغابة هي "نحن هنا وهم هناك"، ومن وراء جدار. الزعيم التالي في الدور لحزب العمل بنيامين بن أليعيزر ومعه شمعون بيرس وغيرهما من وزراء الحزب (كانوا وما زالوا) شركاء في حكومات آرييل شارون التي أعادت الجمهور الإسرائيلي 20 سنة الى الوراء، الى عهد "ليس هناك من نتفاوض معه" ودمروا البنية التحتية للسلطة الفلسطينية وأحبطوا إعادة إعمارهم. هم أسهموا بنصيبهم في تحويل فك الارتباط عن أجزاء منتقاة (من قبل إسرائيل) من المناطق المحتلة الى بديل عن حل الدولتين. هم شركاء في إزاحة الحوار والتفاوض والاتفاق من الخطاب الشعبي السائد ليحل محلها اليأس من السلام والتوجه نحو الخطوات أحادية الجانب.

الرئيس الجديد عمير بيرتس قادم من مدرسة أو مذهب آخر. هو لم يكن بحاجة الى الانتفاضة الثانية ولا حتى للأولى حتى يعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. هو تحدث مع الفلسطينيين من دون حواجز منذ الثمانينات في الفترة التي كان القانون فيها يحظّر الاتصال مع منظمة التحرير الفلسطينية. عمير بيرتس يعتقد بأن الفلسطينيين الراضين أفضل لليهود بكثير من الفلسطينيين المظلومين البائسين، ولكن السلام ليس إحساناً نغدقه على الجيران، كما قال في خطاب الانتصار، وإنما مفتاحاً للإزدهار الاقتصادي في إسرائيل وإلى تحسين وضع مواطنيها.

إذا تمسك عمير بيرتس بمعتقداته السياسية والأخلاقية فإن الانقلاب في حزب العمل لن ينتهي عند الارتقاء في مستوى الاقتصاد والمجتمع في سلّم أولوياته: إذا استطاع الصمود في مواجهة رفاقه المتطلعين للمناصب فإن حزب العمل سيشهد انقلاباً في المستوى السياسي أيضاً. هذا الحزب سيعود الى موقعه على رأس معسكر السلام، ولن يبقى شريكاً في الحكومة التي تعتبر عملية السلام جائزة للعرب وسياسة لفرض الشروط ووضع العراقيل أمام عملية المفاوضات. للمرة الأولى يقف على رأس هذا الحزب زعيم لم يمش في مسيرة الحماقة التي يسمونها المستوطنات ولا في زيّ الجنرالات ولا في بدلة الوزير.

بعد اغتيال رابين بعشر سنوات، يبرز من صفوف القيادة السياسية في إسرائيل شخص يرى في الاحتلال عبئاً أخلاقياً وأمنياً واقتصادياً ولا يحتاج للضغوط الداخلية والخارجية حتى يرحل عن المناطق الفلسطينية. أخيراً خرج السلام من المقاعد الخلفية ليعود الى مركز المنصة. أيها الجيران الفلسطينيون: لديكم شريكاً فلا تسمحوا للمتعصبين بالمس به.