في عام 1941 كانت سوريا ترضخ تحت نير الاستعمار الفرنسي ، حيث ارتبطت الإدارة الاستعمارية في سوريا بإدارة فيشي بعد سقوط باريس بيد الألمان . أما العراق فقد كان مستعمرة بريطانية . ظاهرياً كان وضع العراق مشابه لوضع سورية ، فالبلدان مستعمران من قبل قوتين غربيتين.

و حدث أن انطلقت شرارة الثورة الأولى من بغداد باندلاع ثورة رشيد عالي الكيلاني . فأحس الشعب العربي في سوريا ، الذي لم تكن أوضاعه تختلف عن أوضاع العراق ،أن ما يحدث في العراق هو الشرارة التي كان ينتظرها لتحرير سوريا و لعراق و الأمة كلها . يقول الأستاذ أكرم الحوراني في مذكراته:

((سرعان ما تألفت في كثير من المدن السورية لجان شعبية لجمع التبرعات لثورة رشيد عالي الكيلاني. وقد بادر حزب الشباب لتشكيل لجنة شعبية لجمع التبرعات ضمت ممثلين عن مختلف الاتجاهات السياسية في حماه، وكان حزب الشباب عصب هذه الحملة وقادتها، وقد أقبل الأهلون على التبرع بسخاء كبير، ولا زلت أذكر أنني عندما كنت مارا مع اللجنة في سوق الطويل هرع إلينا فقير معدم فأخرج من جيبه كل ما جمعه من قروش (من التسول) وقذفها في الصندوق ومضى، فأثر هذا المنظر في نفسي تأثيرا كبيرا وقررت أن لا أجعل هذا الرجل الفقير أكرم مني، فاستدنت مبلغا كبيرا وتبرعت به)) ثم تطور جمع التبرعات إلى تشكيل فصيل من المتطوعين من ضباط و مدنيين للذهاب إلى العراق لنصرة ثورة رشيد عالي الكيلاني . يتابع الحوراني :

(( لم تعد حملة جمع التبرعات كافية لنصرة ثورة العراق، بل أصبحت المساهمة المسلحة واجبة على كل مواطن، بعد أن صارت المدينة كتلة واحدة وراء حزب الشباب، فقررنا أن نشكل حملة مسلحة من الشباب للالتحاق بقوات فوزي القاوقجي التي كانت تنتظم وتعبأ في العراق استعدادا للزحف على فلسطين. وكانت أنباء وجود المفتي الحاج أمين الحسيني في بغداد وتجمع المجاهدين من البلاد العربية والتفافهم حول الثورة تلهب المشاعر وتشعل الحماس وتقوي الآمال بثورة التحرير القومية الشاملة، لا سيما بعد الضربات القوية التي أنزلتها القوات الألمانية بالوجود البريطاني في شمالي أفريقيا العربي، واجتياح رومل لليبيا وقرعه أبواب القاهرة، وفرار بعض الضباط المصريين من الجيش الملكي وعلى رأسهم عزيز باشا المصري )) كانت الروح السائدة في ذلك الوقت ترى أن الأمة العربية كيان واحد ، فقد أدرك الناس بحسهم الغريزي ، كحال ذلك الشحاذ الذي تبرع بكل ما تسوله ، أن الميدان العراقي هو الأكثر أهمية في هذه اللحظة و أن الجهد الذي يصب به سيكون عظيم الأثر. ففي ذلك الوقت لم تكن عبارة ترتيب البيت الداخلي ثم الانتقال إلى مساعدة الآخرين سائدة ، و لم تكن عبارات من نمط :

(( طالما أنا لا أستطيع ممارسة السياسة في سوريا فلا يمكنني مساعدة العراق أو فلسطين ))

بل كان هناك إدراك عميق أن الأماكن تختلف بأهميتها لألف سبب و سبب ، و أن هناك فرص تاريخية يجب اقتناصها ، و أن ثغرة قد حدثت في مكان ما فيجب توسيعها بسرعة، و أن بقعة أرض قد تحررت فعلينا أن نصب كل جهدنا عليها لتمتين تحريرها و أن نبديها على ما سواها ، فالشحاد الذي تبرع بكل ما تسوله سينام جائعا كي يشتري طلقة للمعركة التي تدور في العراق . مع أنه كان يمكن بكل بساطة أن يخرج أحدهم ليقول كما نسمع اليوم :

(( شوبدكم بالعراق . حرروا سويا أولاً و بعدها ساعدوا العراق ))

أو ربما يقول رجل آخر للشحاد :
-(( شوبدك بالعراق روح اشبع أول )) لكن ولله الحمد لم تكن الناس تفكر كسياسي هذه الأيام و إلا لكانت الأمة قد انقرضت !!!

لقد ذهب المتطوعون من سوريا ، المحتلة المستعمرة من قبل فرنسا ، لمساعدة العراق المحتل المستعمر. و عند وصول موكب المتطوعين إلى جنوب شرق البوكمال قاموا بتحطيم لافتات الحدود، و أنشد الأستاذ نخلة كلاس بانفعال شديد :

_- ليس بين العراق و الشام حد هدم الله ما بنوا من حدود . و بعد انهيار ثورة رشيد عالي الكيلاني ذهب المتطوعون إلى كركوك هرباً من الاعتقال في بغداد . يقول الأستاذ الحوراني :

(( خرجنا من بغداد متوجهين إلى الموصل، ومعنا كتاب من الجيش لتزويد سياراتنا بالوقود أثناء الطريق، ولما وصلنا إلى بلدة كركوك الجميلة راجعنا المحافظ بشأن الوقود فقابلنا بالشتائم المقذعة- فقلت له: هل تعرف من تخاطب أنت؟ نحن لسنا "ثرثرية" كما تقول بل نحن مجاهدون أتينا لنشارككم في تحرير عراقنا العربي. إنني أغلقت مكتب المحاماه كما ترك رفيقي هذا وظيفته لهذا الهدف... وأشرت إلى الأستاذ نخلة كلاس الواقف بجانبي.

فقال المحافظ: ومن قال لكم إن العراق عربي؟.. إن العراق وطن القوميات. وعليكم أن تحرروا بلدكم من الافرنسيين أولا.))

هذا الحوار جرى قبل أربع و ستين عاماً بالتمام و الكمال . و أحفاد ذلك المحافظ مازالوا على نفس الموقف فهم يرددون اليوم كما بالأمس :

-العراق ليس عربي بل هو وطن القوميات .

أما نحن أحفاد أولئك المتطوعين فما زلنا نردد اليوم لمن يقول لنا حرروا بلدكم أولاً :

_- أننا عن طريق تحرير العراق يمكننا أن نحرر سورية.

و لن نصغي لمن يقول إن علينا أن نرتب شؤون بيتنا الداخلي أولاً . أو لمن يقول إننا إن لم نكن أحرارا في سوريا لن نستطيع مساعدة العراق أو فلسطين . لأننا نرى أننا امة واحدة و أن المعركة واحدة وبسبب ظروف تاريخية معقدة فتحت المقاومة العراقية ثغرة في جدار سجن النظام الدولي الذي يحبس أمتنا بداخله ، لذلك لن نفوت الفرصة و لن نتوانى عن دعمها بحجة أن بيتنا الداخلي خرب أو بحجة افتقادنا للحرية . فنحن ندرك أن طريق خلاص أمتنا بل البشرية كلها يمر عبر العراق، فالعراق بات شأناً داخلياً لكل أمم و شعوب الأرض ، و إلا لماذا خرجت ألفان و خمسمائة مدينة من مدن العالم في مظاهرات ضمت خمسة عشر مليوناً من البشر في يوم واحد ضد العدوان على العراق ؟ مع أن أغلب المتظاهرين ربما لا يعرفون أين يقع العراق على الخريطة . نحن ندرك أن مصير أمتنا و معها البشرية يتقرر في الميدانينن العراقي و الفلسطيني . فإذ انكسرت الإمبريالية في الميدان العراقي فلن تقوم لها قائمة . لذلك فأولوية الميدان العراقي تتقدم على أية مسألة أخرى .

نعم أكرم الحوراني و رفاقه لم يكونوا على خطأ عندما تركوا سوريا المحتلة المستعمرة و ذهبوا ليساعدوا العراق المحتل المستعمر