السفير

جوزف سماحة

إن ما قاله هسام هسام في المقابلة التي بثتها <<الفضائية السورية>> ثم في المؤتمر الصحافي أمس هو، حرفياً، ما سبق له قوله أمام لجنة التحقيق. مع فرق... لقد بات يؤكد أن شهادته انتزعت منه تحت ضغط التهديد والإغراء، وأن هناك مَن كان يلقّنه. خلاصة ما انتهى إليه الأمر، شكلاً على الأقل، هي أن التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري يتم على ثلاثة مسارات متباينة وشبه منغلقة بعضها على بعض. هناك فريق <<يحضّر>> الشهود، هناك لجنة تستجوب وتبني على ما تستمع إليه، وهناك قضاء لبناني يحاول جاهداً وإنما يعاني من قدر من التعتيم يمارسه عليه <<الدوليون>>.

<<تصريحات>> هسام خطيرة. فالتقرير الذي رفعه ديتليف ميليس إلى مجلس الأمن انبنى، في قسم هام منه، على شهادتين. الأولى لمحمد زهير الصديق المتحوّل من شاهد إلى مشتبه فيه، والمطعون في شخصه، والمتهم بأنه تعرّض هو أيضاً للإغراء. الثانية لهسام هسام المنتقل من <<حليف>> الاتهام إلى <<حليف>> الدفاع. ويجب الاعتراف بأنه من دون هاتين الشهادتين، وهما غير متطابقتين أصلاً، لا يبقى الكثير من مضمون التقرير خاصة لجهة تحديد المشتبه فيهم.

إن ما فعله هسام يقتضي، كحد أدنى، إعادة الاعتبار إلى الحقيقة أو إلى القدر منها الذي يقال إن ميليس كشف عنه. ولا تتم إعادة الاعتبار بالصمت والتجاهل والاستخفاف. ولا، كذلك، بأسطر قليلة نافية. ولا تتم أيضاً عبر التصرف وكأن قاطرة التحقيق مندفعة لا توقفها شهادات غير دقيقة أو موحى بها.

لا سبيل لإعادة الاعتبار إلا بالشفافية والوضوح والرد التفصيلي والسعي إلى التدقيق في كل كلمة. لقد تابعنا، بالقدر الممكن، الجهد الذي بذله المحققون اللبنانيون والدوليون، والوسائل التقنية التي استخدموها، والحيثيات التي استندوا إليها (مَن هو صاحب المصلحة في الجريمة؟ مَن هم المحرّضون؟ ماذا يفيد سجل الاتصالات الهاتفية؟ ما دور الرشوة والفساد؟...)، ومن الواجب المطالبة ببذل الجهد نفسه تأكيداً لما أدلى به هسام أو دحضاً له. قد لا يستطيع انتقال هسام من ضفة إلى ضفة تحويل مجرى التحقيق. ولكن من العبث إنكار أنه يضيف عنصراً جديداً. فها هو الدفاع وقد بات يملك، للمرة الأولى، شاهد دفع، شاهداً يقدم رواية من الداخل عن كيفية تحضير الرواية المقدمة بصفتها مضبطة اتهامية. ويسمح هذا الجديد لأي قاض بأن يعطي الروايتين حقهما. لكن شرط ذلك أن يبادر القاضي المعني إلى منح نفسه حق التثبت مما يقوله الشاهد المتحوّل.

لن يكون مقنعاً الادعاء أن هسام صادق في كل كلمة قالها أمام اللجنة وكاذب في كل كلمة قالها أمام الإعلام. ويتعزز ذلك من أنه استخدم ذات مرة لرد التهمة عن التحقيق عندما بدا أنه مستند حصراً إلى شهادة محمد زهير الصديق. قيل وقتها إن الصديق ليس وحده فإذا بهسام يلحق ضرراً بالتحقيق أكبر مما فعلت سمعة الصديق السيئة.

لقد تردد حول الاثنين، بقدر ما بدا أنهما قابلان للتحول إلى ورطة، أنهما مدسوسان أصلاً من جانب الأجهزة. وتعني هذه الحجة أن تقرير ميليس استند لاتهام الأجهزة السورية واللبنانية إلى إفادات قدمها، إلى حد بعيد، عميلان لهذه الأجهزة!

ندرك أن قدرة الوضع اللبناني على الهضم غير محدودة. وندرك أيضاً أن <<ثورة الأرز>> لا تنقلنا من <<التسلط>> إلى <<الديموقراطية>> بل إلى شكل أكثر تعقيداً من التسلط. ونلاحظ أن لا رافعة سياسية جدية ونشيطة لما ذكره هسام... لكن ذلك لا يمنعنا، كمواطنين، من الإصرار على ضرورة التفريق بين الثأر والعدالة، وبين الشبهة السياسية والشبهة الجنائية. وبهذا المعنى ثمة مسؤولية كبيرة تقع على جهة الادعاء، خاصة أنها جعلت من معرفة <<الحقيقة>> أساساً في بناء نموذج وطني مغاير. إلى ذلك ثمة مسؤولية على القضاء اللبناني وعلى لجنة التحقيق الدولية. لا يسع هذه الأخيرة الاستمرار وكأن شيئاً لم يحصل. لا يمكنها التهرّب من حتمية <<التحقيق ضمن التحقيق>>. لا تستطيع الإصرار على موقفها بأن ما تعرفه ولكنها لا تعلنه كاف ويعفيها من تقديم أدلة ووقائع. إننا لا نعرف ما لا تريدنا اللجنة ألا نعرفه. لكننا نعرف أن ما أرادت لنا معرفته (عبر التقرير) تعرّض لتشكيك. والأنكى أننا لسنا وحدنا في هذه الحالة، لأن التقرير نفسه رفع إلى مجلس الأمن وترتبت عليه مواقف وقرارات.

من هذه المواقف والقرارات 1636. ومن النتائج، أيضاً، الاستجواب في فيينا. ولقد انفجر هسام هسام مثل قنبلة عشية هذا الحدث الاستثنائي الذي يعد، على الأرجح، لما هو أكثر استثنائية منه. لذا بات من المستحسن، لا بل من الواجب، أن يستبق الاستجواب أو يصاحبه قدر أكبر من الوضوح، وجدية أكثر في السماح للمتظلمين، حتى لو كانوا متهمين، بإثبات صدق روايتهم.

سمح محمد زهير الصديق لدمشق بالطعن في جدية الاتهامات الموجهة إليها. غير أن هسام هسام ينقلها إلى موقع الادعاء، ويؤمّن سنداً لتكرارها أنها مظلومة وتتعرض إلى إدانة مسبقة هي بريئة منها. مظلومة أم بريئة؟ نريد الحقيقة هنا أيضاً. والحقيقة تمر بالتعاطي النزيه مع شاهد اتهام تحوّل إلى شاهد دفاع. إن لم يحصل ذلك نكن فعلاً أمام تصفية حساب سياسية لا تفعل سوى ترجمة ميزان القوى السياسي والدفع به نحو مزيد من الاختلال.