تركي علي الربيعو/المستقبل

هل مات عصر الجماهيريات الكبرى؟ وهل مات الحزب الجماهيري؟ من وجهة نظر بعض الباحثين في هذا السؤال التقليدي المضاعف، أن عصر المجال التلفازي لا يبشر فقط بموت الحزب الجماهيري، بل دشن هزيمته إلى الأبد ، فقد سهرت الأقمار الصناعية على جنازة الإيديولوجيات الكبرى، وهزم الشعاع الالكتروني هرتز ـ بيل كلا من ماركس ولينين، وبات على الإيديولوجيات الملحقة بهما، أو تلك التي تقيس عليهما أن تلفظ أنفاسها الأخيرة.

في رأيي أن القائلين بنهاية التاريخ وبالتالي نهاية الإيديولوجيا ونهاية عصر الجماهير، لا يزيد رأيهم عن ضرب من الفنتازيا الفكرية التي تنتج فكراً من أجل الفكر، أو التي مفادها أن العالم بات مسطحاً كما تقول أطروحة توماس فريدمان الأخيرة، وأن عالم السيارة لكزس الذي هو رمز العولمة، يقطع مع عصر الايديولوجيات الكبرى التي لا تزال تتصارع حول شجيرات الزيتون بحسب فريدمان، أي لا تزيد عن كونها تعبيراً عن ماض تم تجاوزه.

من وجهة نظر بنجامين باربر في كتابه "الجهاد ضد عالم ماك" أن الجهاد المعولم هو نتيجة لثقافة عالم ماك، أي للثقافة الأميركية المعولمة، وهذا يعني أن عصر العولمة الذي يترادف مع عودة الاستعمار من جديد، سيدفع الى انتاج المزيد من الحسَّاد النموذجيين والكارهين المتعصبين لعصر العولمة والاستعمار معاً، وهذا يعني أن قوى الممانعة الثقافية والسياسية على صعيد عالمي سوف تجد في الايديولوجيات الكبرى ملاذاً يحول دون هزيمتها، وإذا ما أخذنا في الاعتبار، أن الانسان كائن ايديولوجي، أو حيوان ايديولوجي كما يذهب الى ذلك التوسير، فهذا يعني أن عصر الممانعات الكبرى على صعيد عالمي، ممثلاً بأحزاب عالمثالثية وحركات اجتماعية جديدة مناهضة للعولمة، وشخصيات ثقافية مستقلة يحلو لها النقر على "طبل الصفيح الساخن" (هو عنوان رواية للألماني غونتر غراس) ويدفعها الخوف إلى التنديد بـ"امبراطورية العولمة الجديدة" كما يذكرنا كتاب كل من الايطالي انطونيو نيغري الذي يجري وصفه بأبشع النعوت من قبل المنظرين المؤدلجين، والأميركي مايكل هاردت. أقول إن عصر الممانعات الكبرى من شأنه أن يفرز الكثير من الايديولوجيات سواء منها الجديدة أو تلك التي تجد في الدين عباءة إيديولوجية وسياسية لتبرير ممانعتها الثقافية والسياسية كما يكتب أوليفيه روا.

لم يكتب عصر المجال التلفازي ولا عصر العولمة الذي جعل العالم مسطحاً كما يذهب الى ذلك توماس فريدمان في بهلوانياته الفكرية الجديدة التي تأخذ صيغاً استعراضية على غرار كتابه عن "السيارة لكزس وشجرة الزيتون" أقول لم يكتب لا نهاية الايديولوجيا ولا نهاية التاريخ ولا نهاية الداعية، فما زال الداعية الايديولوجي، يحظى بمكانة رفيعة في عالمنا المسطح والمعولم.

وشاهدي على ذلك كتاب انطونيو نيغري ومايكل هاردت عن "امبراطورية العولمة" فقد تصدر الكتاب قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في العالم، وترجم إلى أكثر من 12 لغة عالمية، وأصبح كما يكتب الكسندر ستيل في مجلة نيويورك ريفيو أوف بوكس 7 تشرين الثاني 2002 الكتاب المقدس في صفوف الحركة الاحتجاجية المناهضة للعولمة، يطريه اكاديميون من بركلي وبوينس ايريس الى لندن وباريس، وأصبح مؤلفه نجماً فكرياً وشخصية كاريزمية جذابة، ومن فصيلة "الاساتذة الاشرار" الذين سمموا جيلاً دافعين عشرات الألوف من الشبان الى المتاريس واتهم بأنه يقف وراء الكثير من التظاهرات المعادية للامبريالية والعولمة. وأنه ينتمي الى مجموعات فوق قومية معادية للولايات المتحدة الأميركية، وقادرة على استجماع ما سماه ستيل بالرؤية الراديكالية الجديدة لعصر العولمة وحتى عند ترجمته الى العربية فقد حظي الكتاب بمكانة هامة، على صعيد المناقشات والدراسات التي طالته، ليس من قبل قوى اليسار العربي التقليدية وحسب، بل من معظم قوى الممانعة للمشروع الامبريالي الذي يهدف الى اعادة صياغة العالم من جديد، وبالأخص الشرق الأوسط تمهيداً لاعادة اندراجه في العالم المسطح الذي يجري التبشير له من قبل دعاة مبهورين بالعولمة كما كتبت اللومند ديبلوماتيك.

لا نهاية لعصر الجماهيريات الكبرى، فالعالم المسطح الذي ينظر له، لا يجعل من المساواة قاعدة ولا يبشر بوضع حد للفقر والجوع والأمراض التي تفتك بالعالم الفقير، كذلك لا نهاية للداعية المؤدلج، الذي ينذره محمد أركون ليلعب دوراً كبيراً في حياة الأمم فعليه كما يرتئي أركون أن يشمر عن ساعديه، في واقع عربي مختلف، يقتضي حضوره وشهادته معاً، ومن وجهة نظري ان روح المقاومة للمشروع الامبريالي المعولم في المنطقة العربية ستدفع عاجلاً أم آجلاً، إلى التأكيد من جديد على دور المثقف والحزب الجماهيري وبالتالي على دور الايديولوجيا في اعادة صياغة العالم من جديد، وهذا ما تبشر به الحركات الاجتماعية الجديدة على صعيد عالمي التي تدمج كل ضحايا العولمة من البروليتاريا إلى المثقفين والأساتذة في بوتقة العداء للإمبراطورية.