باريس ـ وسيم الأحمر لا شك أن برشلونة 2005 تختلف عن برشلونة 1995. حصيلة عقد من مسيرة الشراكة الأوروبية المتوسطية بين الإتحاد الأوروبي ودول جنوب المتوسط غير مرضية لأحد، لا في الشمال ولا في الجنوب.

فأوروبا لم تستطيع تغيير شيئ في الواقع الجغراسي في المنطقة المتوسطية. السيطرة الأميركية على سياسات المنطقة التي تأكدت في حرب العراق الأولى 1991، تعززت بوجود عسكري مباشر في العام 2005. أجواء الأمل بإقامة سلام في المنطقة التي سادت قمة برشلونة في العام 1995 بعيد إتفاقات أوسلو تحولت إلى كوابيس من العنف اليومي، في ظل حكم يمين متطرف في إسرائيل والولايات المتحدة. دون أن تحظى أوروبا بدور أبعد من دور الممول لعملية السلام. منطقة الإزدهار التي حلم بها المؤتمرون في برشلونة قبل عشر سنوات مازالت حبراً على ورق. الفجوة الإقتصادية تعمقت بين الشمال الأوروبي والجنوب المتوسطي. إذ زاد متوسط دخل الفرد الأوروبي من 20000 دولار سنوياً إلى نحو 30000 دولار سنوياً بينما بقي معدل دخل الفرد تقريباً نفسه في دول الجنوب وهو لا يتجاوز الـ5000 دولار. وأما على الصعيد الثقافي، وكانت عملية برشلونة تدخل الثقافة لأول مرة في إتفاقات دولية، فالنتائج ليست أفضل. بالعكس، أوروبا لم تستغل بشكل كامل قربها الجغرافي والتاريخي من البلاد المتوسطية وخاصة العربية منها لصالح تعزيز قيم التسامح والعيش المشترك. وربما لم تنجح أوروبا حتى في كسر العزلة الفكرية التي فرضتها بشكل ما السياسة الأميركية بعد 11 أيلول 2001 والمتمثلة بثنائية: الجيد والسيء، أو الإرهاب والديمقراطية على الطريقة الأميركية.

أوروبا وللأسف لم تستطيع وضع علامة خاصة بها، ثقافياً على الأقل، في هذا المجال خلال العشر سنوات الماضية. ربما بسبب هواجس الحد من الهجرة إليها ومن ثم محاربة الإرهاب. ولم تبد مصداقية كافية في مسائل أساسية مثل حقوق الإنسان والديمقراطية. فتجارب العلاقات الثنائية مع الدول المتوسطية أظهرت بأن أوروبا تستخدم هذه العناوين لممارسة ضغوط معينة على الأنظمة السياسية في الجنوب وليس حرصاً على نشر قيم ديمقراطية وإنسانية ما. فالعلاقات الأوروبية مع تونس لم تتأثر بوضع حقوق الإنسان في هذا البلد. والإتحاد الأوروبي لم يتجرأ، رغم المطالبات الشعبية في أوروبا (مثلاً: بعد إقتحام جنين في العام 2002)، إستخدام المادة الثانية من إتفاق الشراكة مع إسرائيل لتعليق التعاون الإقتصادي إحتجاجاً على العنف ضد الفلسطينيين.

وحتى القوى الغير حكومية في المنطقة المتوسطية، (للتذكير أوروبا تهدف إستقطاب هذه القوى)، باتت شبه مقتنعة بأن عملية الشراكة الأوروبية تخضع للواقع السياسي الأوروبي أكثر منها لمكونات إعلان برشلونة وإلتزاماته. فالسياسة الأوروبية، وخاصة الفرنسية، لم تتغير تجاه سورية نتيجة أوضاع حقوق الإنسان فيها أو غياب إصلاح سياسي، إنما بسبب خلافات على إدارة المسألة اللبنانية. بينما ظاهرياً تستخدم أوروبا ذريعة عدم إحترام حقوق الإنسان للضغط على سورية.

غياب القادة العرب عن قمة برشلونة 2005 له أسباب كثيرة تتعلق بكل من الدول العربية المشاركة، مثل نقص المساعدات والإستثمارات الأوروبية في بلدانهم، وعدم موافقتهم على السياسة الأوروبية في مكافحة الإرهاب التي لم تستطيع التمييز بين الإرهاب وحق الشعوب في مكافحة الإحتلال (إختلاف كاد يفشل القمة). لكن يجب عدم إهمال إختلاف الأولويات بين ضفتي المتوسط. فبينما يركز قادة الشمال الأوروبي على مسألة الحد من الهجرة ومكافحة الإرهاب، وتبييض الأموال تحتاج دول الجنوب وربما للأهداف نفسها إلى دعم للتنمية الإقتصادية إلى دور سياسي أوروبي فاعل في المنطقة، يخرج أوروبا من دور التابع للسياسة الأميركية. ربما تحتاج دول جنوب المتوسط، رغم إختلافها في ما بينها هي الأخرى، إلى تعزيز الثقة لديها بأن أوروبا قادرة على لعب دور سياسي مستقل في المنطقة. فبين 1995 و2005 ثمة خيبة أمل لدى دول الجنوب من رؤية الشريك الأوروبي غير قادر على لعب دور سياسي فاعل، وخاصة بما يتعلق بإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي.

الأحداث الأخيرة وخاصة الحرب على العراق في العام 2003 أطهرت إنقساماً أوروبياً حاداً، عزز القناعة بأن السياسة الخارجية الأوروبية غير موجودة. وطالما بأنها غير موجودة فعلى ماذا ستراهن دول جنوب المتوسط؟

عملية الشراكة الأوروبية المتوسطية لم تنجح بأن تكون دافعاً وضاغطاً للتحول الديمقراطي في الدول المتوسطية، والقادة الأوروبيون يشيرون دائماً إلى هذه النقطة. إلا أن الشراكة حققت، ولا شك تقدماً على صعيد العلاقات الثنائية بين الإتحاد الأوروبي ودول المتوسط، إذ وقعت بمعظمها، باستثناء سورية، إتفاقات شراكة ثنائية. لكن فشل المشروع حتى الآن بتعزيز إندماج إقليمي بين دول جنوب المتوسط فيما بينها ومع أوروبا. والسبب الرئيسي هو غياب السلام، الذي راهنت عليه أوروبا في العام 1995. إذ لا يمكن الحديث عن إجراءات بناء ثقة في ظل صراع إقليمي وإحتلال من قبل دولة مشاركة في عملية برشلونة (إسرائيل) لأراضي دول أخرى (فلسطين، سورية، لبنان). وهو ما يتناقض مع إعلان برشلونة نفسه، الذي قامت على أساسه الشراكة. ولعل فشل، أو تأخر المشروع الأوروبي، يأتي لصالح المشاريع الأميركية الإسرائيلية في بناء علاقات جديدة متعددة الأطراف في المنطقة وخاصة مشروع "الشرق الأوسط الكبير". ولمنافسة هذا المشروع، على أوروبا أن تميز سياستها وتكون أكثر وضوحاً في مسائل تتعلق بالقيم الديمقراطية والثقافية مستندة إلى قربها التاريخي من دول جنوب المتوسط في المشرق والمغرب.

لا يمكن بأي حال من الأحوال بناء علاقات متميزة، دون تعارف المجتمعات، فالعلاقات الدولية اليوم لا تنحصر بعلاقات دولة لدولة، وإن كانت الدولة هي اللاعب الأساسي على المسرح الدولي. فثمة قوى مدنية، غير حكومية، تصعد بقوة في كل أنحاء العالم، وتؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر في العلاقات الدولية ولا يكفي أن توقع دول المتوسط إتفاقات مع أوروبا لتقول بأنها أقامت علاقات جيدة ودائمة منسجمة مع "حلم برشلونة". فلابد من تعارف ثقافي، بين مجتمعات مختلفة أساساً سواء في الجنوب أم في الشمال الأوروبي. فأوروبا لا تمثل مجتمعاً واحداً متجانساً وبدورها دول الجنوب المتوسطي. وبالتالي عملية المثاقفة صعبة ومعقدة ولا يمكن أن تتطور في ظل هاجس الخوف من الهجرة، ومن الإرهاب. من الخطأ محاولة الفصل بين المسار الثقافي والمسارين الإقتصادي والسياسي. أو بين هاذين الأخيرين.