نزار سلوم - ليس تقرير السيد ديتليف ميليس ابتكارا حديثا من جملة الآليات التي يتم اعتمادها راهنا من قبل الولايات المتحدة الأمريكية مع حلفائها، وذلك للوصول إلى استصدار قرارات ممهورة بخاتم مجلس الأمن الدولي، مثل القرار الأخير رقم 1636، بل هو أحد الاستنساخات الراهنة للتقليد الأورو-أمريكي في كيفية التعاطي مع "الآخر" المختلف ثقافة وتطورا ومدنية وحضارة، وفق الزعم الإيديولوجي السائد وغير المبتدئ بأطروحة هينتغتون.

ولا نقصد هنا التذكير بالماضي القريب ولجان التفتيش الدولية في العراق وتقاريرها التي شكلت أحد المشاهد الرئيسية فيما يسمى في القاموس السياسي المتداول "السيناريو العراقي" تأكيدا للصنعة والحرفية السينمائية الهوليودية التي ألفته وأخرجته وعرضته ولا تزال، "كم تم التغني بحرفية ميليس ودقته وتقنيته!!".. بل إننا نقصد استحضار المساء الطويل للحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) التي أفرزت نظاما حيو-سياسي مازلنا أسرى واقعه ومنهجيته!! لعل في بعض القص الحكائي لما جرى في ذلك المساء وما بعده، يساعد ذاكرتنا في إعادة ترتيب مصادرها، حيث الصدمات المتوالية حذفت على نحو مذهل مصادر هذه الذاكرة ومكوناتها. في العام 1915، كان الكابتن الأمريكي وليم ييل يقيم في القدس، ويعمل مستشارا، بل "مستطلعا" في الشركة النفطية "ستاندريد أويل"، غير أن الخارجية الأمريكية ولتميزه، عينته في العام 1917 مندوبا بها، حيث كان يزودها بتقارير أسبوعية عن أحوال سورية والمتغيرات فيها، مع التأكد من هزيمة تركيا، وانتصار الحلفاء ومعهم الشعوب التي قابلت إلى جانبهم للحصول على سيادتها واستقلاليتها، ومنها سورية.

في نهاية مهمته، قدم الكابتن وليم ييل، إضافة إلى التقارير الأسبوعية الدورية توصيات نهائية، "انتبه الآن إلى تقرير فيتزجيرالد، وتقرير تيري رود لارسن، وبالطبع تقرير ميليس.. الذي ينتهي بالاستنتاجات" أي بالتوصيات!!ياللتقليد الحرفي عن صنعة وليم ييل!!

وفي الوقت الذي يصف المؤرخون فيه تقارير الكابتن ييل بالموضوعية والحيادية والتجرد يبدون استغرابهم الشديد من خلو توصياته = استنتاجاته، من هذه الصفات، وانحيازها المطلق للبرنامج الصهيوني،فبدا وكأن كاتب التقارير غيره كاتب التوصيات!!

ربما، من حينها، بدا ذلك الانفصام في السلوك السياسي الأمريكي، الذي يعرف اليوم بالازدواجية، انفصام يترك "الحقيقة"مطمورة تحت سماكة تقارير مخبرية، ويتحدث باستمرار عن مبادئ الرئيس ويلسن الأربعة عشر في الحرية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، والتي استبدلت كلها راهنا واختزلت في مصطلح أثير "الديمقراطية" ويأخذ هذا السلوك بالمقابل ،بمبدأ "الغزو المستمر" وفق مصطبح المفكر الأميركي نعوم تشومسكي، حيث لا يتاح للغازي،بسبب سرعته وهوسه التأمل في "الحقيقة" واستيعابها والتي تتوالى التقارير متكدسة عليها يوما بعد يوم، والتي بمقدار ماهي واضحة بينة، سيحتاج انتشالها من تحت ركام التقارير إلى عمليات تنقيب مضنية، لا يعتقد أنها ستبدأ قبل تجفيف منابع النفط!!

من جانبه يشير متقصي الحقائق الأمريكي تشارلز كرين الذي اشتهر اسمه إلى جانب اسم زميله إدوارد كنغ في لجنة "كنغ – كرين" التي دخلت سورية 1919 لتقصي الحقائق ورفع التوصيات إلى عصبة الأمم حول إرادة الناس وخيارهم لمستقبلهم، والذي جاء في عبارة دائمة (وحدة سورية واستقلالها الناجز) يشير بعد أن تم إخفاء تقرير اللجنة بالاتفاق مع فرنسا "ياللمصادفة: انتبه إلى الاتفاق الراهن!" إلى أنه "من الصعب دائما، لسوء الحظ، التوصل إلى معرفة الحق في ذلك القسم من العالم" يقصد بلادنا، لأنها "قد بيعت لأعظم الطالبين" يقصد فرنسا وبريطانيا.

وبالنظر لدهشته من الازدواجية الأميركية في التعامل مع تقرير لدنة "كنغ – غرين" وملاحظته تأثير توصيات وليم ييل على السلوك السياسي، فإنه يستذكر الروماني بيلاطس البنطي _ الذي سلم السيد المسيح لليهود ليصلبوه رغم تأكده من براءته _ معتبرا أن بيلاطس هذا أسس إرثا يتوارثه "الغربيون" في سلوكهم عندما يتعاملون مع هذا القسم من العالم.

يقول تشارلز كرين في مقاله له نشرها حوالي العام 1923، وأخذنا منها أقواله السابقة، في مجلة our world "عالمنا" الأمير كية. يقول: " ولكن موظفا أوربيا في فلسطين، في الزمن الغابر، سأل مرة: ما هو الحق؟ وعندما عرفه عمل ضده، وما زال العالم حتى الآن يتألم من عمله السيئ، ومن دواعي الأسف أن أرباب المناصب تتسرب إليهم أرواح أسلافهم، لأن أرباب المناصب الأوروبيين لم يتقدموا، كما يظهر، منذ عهد بيلاطس البيطي. وهذا ما يوضح إلى أي درجة كان كرههم العميق لظهور الحق هناك".

بلى، قام الأميركيون بالاتفاق مع الفرنسيين بإخفاء تقارير لجنة " كنغ – كرين" التي تسربت إلى الصحافة بعد خمس سنوات من وضعها، أي في العام 1924، ونشرت رسميا بعد ثمان وعشرين سنة، أي في العام 1947، تم إخقاء التقارير لأنها تتضمن الحق والحقيقة!!

الآن، في الرواية أو السياريو الذي يتم إنجازه، ينشر الأميركيون بالاتفاق مع الفرنسيين أيضا "ياللمصادفة..بل ياللتاريخ" تقرير ديتليف ميليس، الذي يتم تسريبه إلى الصحافة، خصوصا الإسرائيلية منها، قبل أن تلمسه يد كوفي عنان، ينشرونه ويواظبون على إخفاء وحجب الحق والحقيقة وستندون إليه في استصدار القرار1636، الذي سيتبعه تقرير آخر للسيد ميليس في 15 كانون الأول القادم، الذي بدوره سيتبعه قرار آخر من مجلس الأمن والذي و.. و..! بلى، إننا في مواجهة الفيلق الأول من فيالق الحصار، فيلق التقارير والقرارات.

التقارير من ورائنا، والقرارات من أمامنا، ولكن أين الحق؟! أين الحقيقة؟ أين المفر؟!