السفير - جوزف سماحة:إذا كنا مواطنين نسعى إلى معرفة الحقيقة ولم نكن قبيلة تسعى إلى الثأر يجب أن يكون، في ما يخص التحقيق، ما قبل هسام هسام وما بعده.

نعم قد يكون الرجل مدسوساً في الأصل من المخابرات السورية. قد يكون قرّر تغيير رأيه. قد يكون بالفعل تلقى إيحاءات وتعرّض إلى ضغوط وإغراءات. قد يكون كذب ويكذب. ويمكن إيراد احتمالات أخرى. ولكن ما لا شك فيه أنه ألقى ظلالاً من الشك على المحطة التي كان وصل إليها ديتليف ميليس وعبّر عنها في تقريره إلى مجلس الأمن الدولي. وتقضي الأمانة القول إن البيان الذي أصدرته لجنة التحقيق الدولية تعليقاً على أقوال هسام هسام ليس مقنعاً ولا كافياً. يؤكد البيان أن الرجل تقدم من لجنة التحقيق الدولية المستقلة وعرّف عن نفسه بأنه ضابط استخبارات سوري سابق في لبنان ثم وقع بعد ذلك على إفادته التي تشير إلى طوعية مبادرته. بكلام آخر لقد ثبّتته اللجنة بصفته شاهداً ولم تتنصل منه. لم تذهب أبعد من ذلك تاركة عدداً لا يحصى من الأسئلة معلقاً. هذه بعضها:

على اللجنة أن تقول لنا وللعالم ما هي حصة إفادة هسام في التقرير المرفوع إلى مجلس الأمن. لقد أشار هو إلى ذلك ولكن من المستحسن أن نستمع إلى توضيح قاطع من جانب <<الدوليين>>. هل ثمة نية للاحتفاظ بما أدلى به والدفاع عن صدقيته؟ ما هو مصير التقرير من دون الإفادة؟ ماذا يبقى منه؟ وهل التباين في التقرير الرسمي وفي التقرير المتسرّب إلى الصحف ويتضمن أسماء صريحة هو تباين في فقرات مستمدة من شهادة هسام؟ وهل تملك اللجنة معطيات أخرى صريحة تشير إلى هذه الأسماء؟

هل هسام هسام هو الشاهد المقنّع الذي واجه المدير العام السابق للأمن العام اللواء جميل السيد؟ هل وقائع المواجهة التي رواها علناً دقيقة؟ هل صحيح أن محققاً ألمانياً اضطر إلى سحبه؟ هل تملك اللجنة آلية للتأكد من الشهود الذين يحضرون أم أنها تكتفي بتعريفهم عن أنفسهم؟ فبيان اللجنة يبدو ساذجاً ويجعلها تظهر كمن يعاني من طيبة قلب مفرطة. أليس ميليس <<ثعلباً>>؟ ألا يملك خبرة في عالم الاستخبارات ودسائسه؟ ألا يدرك أنه يحقق في قضية ذات خطورة استثنائية ما يفرض عليه التحسّب؟

كيف لنا أن نتأكد من صدقية محمد زهير الصديق؟ فالرجل محتجز في فرنسا؟ ولا تبدو باريس متعاونة مع التحقيق، اللبناني على الأقل، لأنها ترفض تسليمه. هل استجوب بعد توقيفه؟ لمَ لا يتوجه المحقق العدلي الياس عيد إلى باريس؟ هل من الخطأ مخالفة تقدير ميليس بأن تحوّل الصديق من شاهد إلى مشتبه به يزيد صدقيته؟ وبالمناسبة، لمَ لمْ يتحوّل هسام إلى مشتبه به؟

هل وصل الشاهد المتحوّل إلى مونتيفردي مباشرة؟ كيف اتصل باللجنة؟ يقول البيان إنه مثل أمامها في أواخر حزيران. حسناً. جرى استجوابه طيلة تموز وآب. وقّع إفادته في الأول من أيلول. ثم مضى أيلول، وتشرين الأول، وها هو تشرين الثاني ينقضي. لقد انقضت خمسة أشهر بالتمام والكمال ولم يتسنّ للتحقيق اللبناني حق التعرف إليه. هل هذا طبيعي؟ ما معنى، والحالة هذه، المدائح التي تكال إلى التقدم الذي أحرزه الجهاز القضائي؟

قال هسام هسام ما قاله. وهو كثير. هل تنوي اللجنة الدولية فتح تحقيق ضمن التحقيق؟ هل تنوي الالتفات إلى اتهامات وجهها؟ هل تنوي طلب استرداده؟ إن لم تكن تنوي ذلك هل يبقى القضاء اللبناني ساكناً؟ هل هناك في بروتوكول التعاون ما يحول دون مبادرة محلية؟ هل هناك مَن يمارس ضغطاً معنوياً على القضاء؟

هل ضلّل هسام هسام التحقيق الدولي أم أنه قال له ما يطيب له سماعه؟ وهل ثمة مجال فعلي لشاهد يقول كلاماً مغايراً؟ هل من درس يستفاد من هذه الواقعة؟ بمعنى آخر ألا تنوي اللجنة إعادة النظر بإفادات أخرى والتأكد من هويات أصحابها؟ قد لا يؤدي ذلك إلى تغيير وجهة التحقيق ولكن أليس التدقيق ضرورياً من باب احترام الحقيقة؟ أليس من حقنا أن نعرف ما هي المعايير الدولية للتحقيق بعد أن ذكّرنا بيتر فيتزجيرالد بعدم احترام هذه المعايير في ما يخص مسرح الجريمة (مزيج العبث المقصود والناجم عن إهمال).

لا نعرف لماذا ذكر بيان اللجنة أنها <<لا تعرض ولم تعرض يوماً أو تقدم أي تعويض لقاء معلومات>>. لم يتهمها أحد بذلك. ما رأي اللجنة في الهجوم الذي يتعرّض إليه <<شاهدها>> طالما أنه سبق لها اعتماد إفادته ولم تنكرها في بيانها الأخير؟ إن هذا غيض من فيض <<أسئلة ما بعد هسام>>. تساعد اللجنة اللبنانيين كثيراً إذا اهتمت بها وتعاطت معها بإيجابية. وإن لم تفعل واختارت سلوكاً متعالياً فإن الحد الأدنى من واجب القضاء اللبناني هو أن يبادر.