المستقبل- ميشال كيلو-عندما صدر قرار مجلس الأمن رقم 1636، كان من الجلي أنه يحد من سيادة سوريا السياسية على مواطنيها وممتلكاتها، ويعطي المحقق الدولي ديتليف ميليس صلاحيات ذات أولوية بالمقارنة مع صلاحيات الحكومة السورية، ويحظر على الدولة السورية معارضة ما قد يقرره أو يتخذه من تدابير وإجراءات، ويفرض عليها التعاون معه دون شروط، كما يقول نص القرار الحرفي.

يومها، قال كثيرون إن ميليس يتمتع بصلاحيات تشبه بعض صلاحيات المندوب السامي زمن الاستعمار التقليدي، وتخوفوا من أن تتسع سلطته القضائية، ذات الدلالات السياسية الواضحة، الى مجالات أخرى كالاقتصاد، في سياق فرض عقوبات إضافية على سوريا، في حال رفضت الاستجابة لمطالبة، أو تبين أن لها يدا في قتل الرئيس رفيق الحريري. وبالفعل، ما إن عاد ميليس الى بيروت، حتى طلب قدوم ستة من المشتبه بهم وشاهدا الى المونتفيردي في لبنان لاستكمال التحقيق معهم، بينما رأت الديبلوماسية السورية بحق في طلبه أمراً يمس بسيادة بلدها، وأعلنت أنها لن تقبله، وتعتبر التحقيق منتهياً، بما أن التقرير، الذي قدمه ميليس يوم (21 ـ 10) الى مجلس الأمن برأها بالمطلق، كما جاء في خطبة الدكتور بشار الأسد الأخيرة، التي قيل إنها خطبة حرب ومواجهة.

يبدو أن المحقق غير رأيه في نهاية المطاف، خاصة بعد إعلان الأستاذ فؤاد السنيورة، رئيس الحكومة اللبنانية، أن بلاده ترغب في أن يتم التحقيق خارج أراضيها. وبالأمس (25 ـ 11) أعلن الأستاذ وليد المعلم، معاون وزير الخارجية السوري، ومستشار الوزارة القانوني الأستاذ الداوودي، أنه تم التوصل الى اتفاق مع ميليس يقدم هذا فيه "ضمانات حول احترام سيادة سوريا الوطنية"، مقابل التحقيق في فيينا مع خمسة مسؤولين أمنيين سوريين لم يذكر أسماءهم، أكد المعلم أنهم سيعودون الى سوريا بعد انتهاء استجوابهم هناك. كان المعلم ومستشار الوزارة القانوني سعيدين، حتى أن الأخير تحدث بلغة النظام الظافرة، لغة الانتصارات التي تتحقق دوماً على يدي ممثليه، في أي أمر تمتد أيديهم اليه، وأشهرها الانتصار الذي تحقق مع القرار 1559، الذي قيل آنذاك في الخارجية السورية إنه لم يذكر سوريا بالاسم ولم يكن يعنيها، وانتصار القرار 1636، الذي قالت الخارجية عينها إنه انتصار لأنه لم يفرض عقوبات عليها، واكتمل اليوم بانتصار الداوودي، الذي بدا فرحاً ومنشرح البال خلال المؤتمر الصحافي، لأنه حصل على ضمانات باحترام سيادة سوريا الوطنية من ميليس، وهذا لعمري نصر مبين لا يجوز أن يماري فيه أحد، إذا ما تذكرنا كلام الإعلام السوري، وهو أن المحقق صهيوني الهوى، عرف دوما بكرهه لسوريا، لأن أمه يهودية، وأنه جاء الى المنطقة كي يعلن ما كلفته الإمبريالية والصهيونية بإعلانه: تورط سوريا في أمر هي بريئة منه، وإظهارها بمظهر الدولة الإرهابية، للقضاء على دورها القومي والوطني، وليس حباً برفيق الحريري وبالحقيقة. ليس قليلاً، إذن، أن ينتزع الداووي ببراعته المتعددة الأوجه ضمانات من رجل هذه صفاته تتعلق بسيادة سوريا الوطنية، وليس قليلاً كذلك أن يقفز المعلم والمستشار عن حقيقة مرة، هي أن سوريا صارت بحاجة الى ضمانات تتعلق بسيادتها الوطنية من شخص، وأنها تعتبر قبوله منحها ضمانات تتصل بسيادتها انتصاراً يستدعي الإعلان وسط ابتسامات ظفر كان لا بد أن ترتسم على وجهي الديبلوماسيين الكبيرين. ترى، هل يمكن أن يوجد دليل على محدودية وهشاشة سيادة دولة من الدول أقوى من هذا الدليل؟. وهل كان من الصواب أصلاً ربط سيادة سوريا الوطنية بأشخاص، مع أن الأصل أن يربط مصير أي شخص، مهما كان اسمه وموقعه، بسيادة الدولة الوطنية؟.

ليس حال سوريا على ما يرام. وهي بحاجة الى وقفة حقيقية وجادة مع الذات، بعد أن وصلت الى وضع صارت تقبل فيه ضمانات خاصة بسيادتها الوطنية من شخص هو اليوم محقق دولي وقد يكون غداً مشرفاً على اقتصادها وربما أجهزتها الوطنية. عندما سئل الداووي إن كان قد حصل على شيء مكتوب من المحقق الدولي، رد بحديث اعتبره الصحافيون غامضاً حول اتفاق عقد معه استنتج معظمهم أنه شفهي، وزاد من اقتناعهم بذلك أن المعلم والمستشار لم يقدما نص الاتفاق، ولم يتحدثا عن تفاصيله، بل اكتفيا بالقول: أن من سيذهبون الى فيينا سيعودون منها الى وطنهم، بضمانة ميليس، الذي لا يعرف أحد، بما في ذلك السياسيان السوريان، إن كانت مؤكدة، أو إذا كان سيلتزم بها الى الخامس عشر من الشهر القادم، موعد تقريره النهائي الى مجلس الأمن، يوم ستبيضّ وجوه وستسودّ وجوه!.