ايلاف: بهية مارديني

تتواتر انباء عن استعدادات الحكومة السورية لحصار اقتصادي قد يفرض على البلاد بعد تقديم ديتليف ميليس رئيس لجنة التحقيق الدولية في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الاسبق رفيق الحريري تقريره "المسيس" قبل 15 الشهر الجاري ، وتؤكد مصادر إيلاف طلب المهندس ناجي عطري رئيس الحكومة السورية من الوزارات المختلفة تأمين جميع احتياجاتها مما يلزمها من المواد والالات وقطع الغيار المستوردة لمدة تتجاوز العام والنصف والبحث عن بدائل لما تقوم سورية بتصديره والتفكير في خطط وبرامج تقلل من الخسائر التي تنجم عن عزلة البلاد وفرض الحصار عليها ، وتشير المصادر الى ان الحكومة السورية استثنت دولا قد لا تستجيب لفرض الحصار على سورية مثل الصين وايران وتركيا والبرازيل رغم المخاوف بالا تصل ما قد تقوم بتصديره لسورية بسبب مرور ما ترسله بعض هذه البلاد عبر بلدان اخرى قد تستجيب للقرار الدولي بالحصار.

ورغم توقعات الشارع السوري وامله في ان القرار الدولي القادم بعد تقرير ميليس قد يشمل منع سفر او تجميد اموال اشخاص سوريين على وجه التحديد وليس حصارا اقتصاديا يؤذي 18 مليون سوري ورغم الانباء عن التحضير الاميركي لـ"داتا" تحوي اماكن ارصدة واملاك المسؤولين السوريين الذين ذكرهم ميليس في تقريره وعائلاتهم واقاربهم والعاملين لديهم في الاردن والامارات واوروبا ، ورغم الانباء ايضا عن احتمال فرض عقوبات دبلوماسية على سورية الا ان هناك قلقا متزايدا يسود الشارع السوري خصوصا عندما وصل الدولار بالنسبة الى الليرة السورية في السوق السوداء 60 ليرة ووصل سعر صرفه الرسمي في البنوك السورية فجأة الى 57 ليرة وهو ما اعتبره الشارع السوري دليلا على فقدان السيطرة من قبل الحكومة على سعر الدولار ومؤشرا على سوء ادائها وعلى انها غير جديرة بالثقة رغم التصريحات المستمرة للمسؤولين السوريين عبر وسائل الاعلام والمؤتمرات الصحافية بانه سيخسر كل من قام بتحويل ايداعاته النقدية من الليرة السورية الى الدولار وتأكيداتهم المستمرة بان الليرة السورية بخير وان الاقتصاد السوري قوي وان الامر ليس سياسيا وهو لا يتعدى عن جشع تجار السوق السوداء.

ويسود الشارع السوري العديد من التناقضات والتضارب في الانباء اثناء النقاشات الساخنة ففي حين تؤكد عائلات شامية عريقة ان المسؤولين السوريين السابقين والحاليين وابناءهم يبيعون اراضيهم في منطقة يعفور الفاخرة ويحولونها الى دولار يطير داخل حقائب خارج البلاد وان عائلة النائب السابق للرئيس السوري عبد الحليم خدام اوقفت عمليات بناء فيلاتها ذات طابع "الالف ليلة وليلة" في يعفور بعد اغتيال الحريري وعرضت املاكها للبيع بعد سفر خدام الى باريس ، ونوهت بانه يقوم الان بكتابة مذكراته ، تؤكد مصادر اخرى ان سعر دونم الارض في يعفور وصل في حده الادنى الى 3 ملايين ليرة سورية وان الجميع يتهافتون على شراء الاراضي هناك وفي منطقة الصبورة وتضيف المصادر ان لا احد من الموسرين "يترك سيولة من الليرة السورية بين يديه والجميع يحولها الى دولار او عقارات "، ومن الملاحظ ان النقاشات باتت لا تتم في الخفاء او عبر الهمسات الخافتة وتجاوزت الجلسات العائلية لتصل الى الاماكن المفتوحة والمطاعم والكافيتريات.

الى ذلك ورغم مرور حوالى الشهر على نصب خيم التضامن في الساحات الدمشقية ضد التهديدات الخارجية على البلاد وعلى المبادرات التي ظهرت فجاة مذكرة بالعلم السوري ، تسود حالة من الهجوم الاعلامي ضد ما سمي "تضامن العواطلية" اي العاطلين عن العمل و ضد التخبط في الاداء الذي قد يذهب بالسوريين " الى مصير اسود ، بلون الشوادر والستائر واللافتات التي انتشرت وغطت سماءنا مثل سحابة سوداء".

وتساءل الكاتب السوري نضال معلوف الذي يرأس تحرير موقع سيريا نيوز" لماذا يعيش المواطن السوري منذ اكثر من شهر اجواء الحرب والتوتر، مسيرات ومضارب وخيم ووفود وحجاج ولافتات واعتصامات واغاني واعلام في الساحات وعلى الشرفات وفي اللوحات الاعلانية وعلى ظهور السيارات؟!".

واكد معلوف" اذا اخذنا كل هذه التصرفات بحسن نية، فان ادارة الازمة مرة اخرى في سورية تفشل، فالمطلوب كان هو محاولة استمرار الحياة الطبيعية للمواطن السوري وليس ترويعه واستنفاره وتوتير الجو العام".

واشار الى "ان الاحداث التي نمر بها لا تتناسب مع الاعراض التي ظهرت على مجتمعنا مؤخرا، وحالنا مثل الذي اصيب بالرشح فقام اطباء جهابذة بادخاله الى غرفة العناية المشددة".

وشدد معلوف" نحن لا نريد ان نخدع الجمهور بان نهون ما نمر به من مصائب، ولكن كل الذي نمر به حاليا يقع ضمن الحلول السياسية والدبلوماسية، حتى انه وفي هذا السياق حدثت في الاسبوع الاخير بعض الانفراجات منها قرار سورية بارسال المسؤولين الخمسة الى فيينا وتراجع الشاهد المقنع عن شهادته التي تدين سورية في تقرير ميليس ، وليس هناك في رأيي ما يتهدد معيشة المواطن السوري سوى الخوف الذي زرعته التصرفات غير المسؤولة والقرارات الغبية التي تصدر عن جهابذة القرار الاقتصادي في سورية".

واعتبر معلوف ان الكرة اصبحت اليوم تتدحرج "ليكون القانون الذي يحكمنا هو قانون القطيع، حيث دفعونا لنفقد العقل ونتحرك بدافع الخوف وحب البقاء، الامر الذي من الممكن ان يذهب بسورية الى المجهول قبل ان نبدأ أي مواجهة واي معركة "، وراى "ان المسؤول عن كل هذا هو اللص الذي يحاول ان يغطي على سرقاته بالضجيج، والمسؤول الفاشل عديم الكفاءة وفاقد الرؤية واعمى البصر والبصيرة الذي يحاول ان يسوق فشله وخيبته نجاحا في سبيل الحفاظ على الكرسي ولو ارتكز هذا الكرسي على رقاب الشعب، أصحاب الوجوه السوداء يلبسون اقنعة بيضاء مزيفة ولا يدركون باننا نميزهم من رائحتهم النتنة واكفهم السوداء التي تمتد في كل مكان لتلتقط قوت الشعب وتخنق أي امل في حياة افضل للمستقبل".

اما الكاتب والصحافي السوري عدنان علي فكتب في صحيفة الحياة اللندنية" تشهد العاصمة السورية هذه الايام موجة من الحماسة الوطنية تعبيراً عن رفض الضغوط الخارجية على البلاد والتي يشكل تحقيق القاضي الالماني ديتلف ميليس باغتيال رفيق الحريري رأس حربتها". ونوه ب "ان هذه الاجواء التي تبدو الى حد ما ذات صبغة رسمية او شبه رسمية، لا تخلو من مشاركة شعبية حقيقية ولو بأشكال وتعبيرات مغايرة للطقس الرسمي الذي يتمظهر بمسيرات واعتصامات ومؤتمرات وبيانات يومية لمجمل الفعاليات الرسمية والنقابية والاهلية، تضاف الى استنفار اعلامي يعزف سيمفونية واحدة عن "الاستهداف الخارجي وذيوله العميلة" وعن "جاهزية البلد والشعب للتصدي للمؤامرة وافشالها"". واكد علي "ان البارز ايضا في هذه اللوحة التي تبدو، ويا للاسف، وكأنها مستنسخة عن الوضع في العراق قبل سقوط صدام، هو زيارة "الوفود التضامنية" العربية والدولية التي تضم ممثلين عن منظمات نقابية ومهنية وبرلمانيين واعلاميين وكل الهيئات والهياكل والشخصيات العاطلة او المعطلة داخل بلدانها وفي الساحة القومية، او من تنطبق عليهم تسمية اهل الشام "العواطلية" أي العاطلين عن العمل". واشار الى "ان السؤال الذي يتبادر الى الذهن بداهة هو: لماذا تتكرر في التعامل مع الازمات الخطرة، هذه الاشكال العقيمة من التضامن مع بلد عربي مهدد؟ ولعل ما ينقص المشهد السوري اليوم هو فقط الاعلان عن تشكيل خلايا مسلحة على غرار "فدائيي صدام" وتوزيع السلاح على الناس... وقد صدرت بالفعل دعوات للقيام بذلك". واضاف علي "لقد مل المطالبون بالاصلاحات من تكرار مطالبهم التي باتت معروفة للقاصي والداني ومبتغاها كلها اطلاق سراح المجتمع ليكون شريكا حقيقيا في الحياة العامة وفي ادارة الازمة الحالية والبلاد، عبر اطر ديمقراطية مشروعة، فلا يتم من الان فصاعدا اهمال المجتمع في الرخاء وتذكره في الشدة فقط "، ولفت الى "ان أبسط أمثلة ذلك أن يكون متاحا لهذا المجتمع أن يعبر عن نفسه في الازمة الحالية بطريقة تختلف عن "الاهزوجة الوطنية" اياها، فلا يخون كل من يسهم برأي مخالف او يوجه انتقادا الى اسلوب ادارة الازمة والبلاد، ليكون لدينا مجتمع حقيقي يناقش قضاياه بلا خجل او وجل، ولا تعبأ أصواته وارادته في عبوات محكمة الاغلاق تخزنها السلطة في ثلاجاتها، لتفرج عن بعضها ساعة تشاء، وتقول: هذه هي ارادة المجتمع".

من جانبها كتبت الصحافية السورية راما نجمة في مجلة ابيض واسود الخاصة التي يملكها بلال تركماني ابن وزير الدفاع السوري " لانحتاج نحن السوريين لجرعات من الوطنية وهي بالنهاية لا تعطى بإبر بالوريد أو بغوغائية تسقط في اللحظة الحرجة ، لانحتاج إلى كل هذه التعبئة الحربية كي نعرف أن بلدنا على حق وان هذا الوطن المثخن بجراحه يحتاجنا بعقولنا وليس بفوضانا، وطننا الذي تلذذوا بتقطيع أوصاله وإهانته على شاشات الفضائيات يحتاج لمن يدافع عنه بالحجة والحوار والعقل، وطننا لا يحتاج لاعتصامات رجال الأعمال وإنما يحتاج منهم أن يتوقفوا عن تهريب أموالهم خارج الوطن وأن يفتحوا مشاريعهم هنا مكان مضافاتهم وخيمهم، وعندها سنرى الليرة السورية تثبت حتى في الحصار"، واكدت نجمة "وطننا المهدد بالعقوبات الظالمة لايحتاج لمظاهرات الشباب الغاضبة بل لعملهم ولدراستهم ، لايحتاج الوطن لعبارات بلاغية يتفننون في تدبيجها بأسوأ لغة مكرورة بل يحتاج لمن يعرف اللعبة الاعلامية ويجيدها ويدافع عن هذا الوطن وهذا العلم بطريقة عقلانية عصرية".