نزار سلوم - هل ترسيم الحدود جريمة؟ وما الضرر الذي يمكن أن يلحق بنا أو بالسوريين إذا ما تمت عملية الترسيم هذه؟! ألسنا دولتين مستقلتين عضوين في الأمم المتحدة مثل أعظم دول العالم؟! هذه بعض من الأسئلة التي ترد على ألسنة العديد من السياسيين في لبنان، في لهجة استنكارية، عندما يكثرون من الحديث عن ترسيم الحدود بين سورية ولبنان فيسألون عن الخلفيات والتوقيت والأسباب والحيثيات الملحة، ويستدرك بعضهم راويا السيرة التاريخية للترسيم الذي يتبدى مجهضا بفعل وإرادة "السوريين" حيث جرت محاولات ثلاث لإنجازه – يتابعون الرواية – مرتان في عهد بشارة الخوري ومرة في عهد كميل شمعون، أي في خمسينات القرن العشرين، غير أن السوريين عملوا دائما على إجهاض هذه المحاولات، فلم يتم الترسيم، وظلت الحدود على حالها.

إذا ثمة فرصة ذهبية الآن، على لبنان عدم تبديدها، ف"سورية" في أصعب ظروفها،وقرارات مجلس الأمن تعمل على محاصرتها، وهي لا تستطيع بأي شكل من الأشكال إجهاض محاولة رابعة يفضل أن تكون "ثابتة" وخصوصا أن هذه المحاولة سيتم تعهيدها إلى أهم الاختصاصيين في فن "الرسم الحدودي المعاصر" الدولي العالمي تيري رود لارسن، الذي خرطش وبيض وسود ولون بمختلف الألوان في فلسطين قبيل ومع وبعد اتفاقيات أوسلو 1993، ولا يزال يحاول، حيث لم تنجز "لوحته" إلى هذا الوقت فما كان من أرييل شارون إلى الهزء منه والسخرية من"فنه الرفيع" باطشا بألوانه وريشه بحفارات وجبالات عملاقة"رسمت" جدارا أخطوبوطيا من الإسمنت المسلح أكل الأخضر واليابس من الأراضي الفلسطينية، فيما رود لارسن يتباهى بإنجاز الخط الأزرق الذي رسمه بين لبنان وإسرائيل، فيما الذي أعاد جيش الاحتلال خلفا، لم يكن إلا اللون الأحمر القاني لدماء آلاف الشهداء من المقاومة الوطنية اللبنانية، ومن الجيش السوري، ومن المقاومة الفلسطينية على مدى ربع قرن ويزيد.

على أن رئيس الوزراء في لبنان السيد فؤاد السنيورة، صرح في إحدى المرات، عندما سئل عن مستنده في الإجراءات التي قال إنه سيتخذها بصدد العمل على ترسيم الحدود، خصوصا، أنها لم تدرج في جدول أعمال أية جلسة لمجلس الوزراء صرح قائلا: إن الحكومة اللبنانية اتخذت قرارا بتشكيل لجنة بهذا الخصوص في العام 1965، وهو بالاستناد إلة هذا القرار تباحث مع كوفي عنان وتيري رود لارسن، فضلا وأولا، مع كونداليزا رايس، عندما زار نيويورك الشهر الماضي، وربما أيضا تباحث مع السيد ديتليف ميليس الذي قطع الحدود جيئة وذهابا بين بيروت ودمشق مرتين متتاليتين، فانزعج أيما انزعاج أدى به إلى قسم اليمين المعظمة بأنه لن يعبرها ثالثة، وسيطلب ممن يشاء رؤيته القدوم إلى "المونتي فردي" وإلا فليس متعاونا ويستأهل قرارا آخر أكثر استنادا إلى الفصل السابع من ميثاق مجلس الأمن.

لا بأس أن يستند الرئيس السنيورة إلى قرار متخذ في العام 1965, حيث يمكنه تقريظ موقفه بكونه يستند إلى "قرار تاريخي" عريق عمره أكثر من أربعين عاماً!! لكن عليه أيضاً, إذا ما أباح لنفسه هذا الحق, إدراك أن التاريخ لا يقف عند ذلك العام, كما أن حق الاستناد إلى التاريخ مباح لغيره, كما هو متاح له, والحال هكذا, فليتلطف الرئيس السنيورة وليستمع إلينا قليلاً, وليدر أذنه "المُصادرة" هذه الأيام لحساب ألسنة السفراء والمندوبين والمحققين.. لعل في الانتباه إلى التاريخ في الزمن الصعب, ما يوفر العناء الكثير في صناعة المستقبل. فإن كان الحال, حال التاريخ, فإننا نحيل الرئيس السنيورة إلى المرحلة التي لم يكن قد تم فيها تطبيق اتفاقية سايكس- بيكو, أي لم تكن الكيانات السياسية قد نشأت بعد, أي إن لبنان الراهن لم يكن قد "وجد" سياسياً, حيث سينتظر حتى أيلول 1920, عندما وقف قائد قوات الشرق الفرنسي الجنرال غورو, معلناً إقامة دولة لبنان الكبير, أي جبل لبنان مع الأقضية الأربعة التابعة لولاية سورية, قبل هذا التاريخ كان السوريون قد وحدوا اتجاههم في مؤسسة المؤتمر السوري العام, وإقامة حكومة وطنية عملت على الوقوف في وجه الفرنسيين والانكليز الذين عملوا على استصدار صك الانتداب من عصبة الأمم في مؤتمر سان- ريمو "نيسان 1920". وقد شارك في المؤتمر السوري العام وفود تمثل مختلف المناطق من يافا وحيفا والقدس, إلى اربد وحوران ودمشق وحلب.. وصولاً إلى جبل لبنان, بل جبل لبنان نفسه وليس فقط الأقضية الأربع الملتحقة فيما بعد بدولة لبنان الكبير بقرار من غورو. وفي دورته الثانية التي عقدها تحت عنوان دورة الاستقلال, أعلن المؤتمر السوري العام في الثامن من آذار عام 1920 استقلال سورية ووحدتها "بلاد الشام" داعياً إلى اتحاد مع العراق, وإعطاء نوع من الحكم الذاتي لجبل لبنان, ومن النواب والممثلين الذين وقعوا على هذا القرار رياض الصلح "أحد آباء الاستقلال اللبناني" لاحقاً, وسعيد طليع وابراهيم الخطيب وأمين أرسلان وفريد كساب وأسعد الأيوبي ممثلو جبل لبنان, وجورج حرفوش وسليم سلام وعارف النعماني وجميل بيهم أيهم بيهم ممثلو بيروت, إضافة إلى الآخرين الممثلين لمختلف المناطق من صور إلى طرابلس.

إن قراراً من هذا المستوى, في مضمونه كما في المشاركين في اتخاذه, يكتسب شرعية "تاريخية" ومصداقية واضحة اكبر بكثير من أي قرار آخر اتخذته أو تتخذه أية "حكومة كيانية", لبنانية كانت أو غير لبنانية, وإن تجاوز عمره الأربعين عاماً!!

هل كانت "سورية"في "لبنان" عسكرياً لان ثمة تنازعاً على الحدود!! لا, أبداً. إذاً ما الذي يحصل؟ إن "الترسيم" ليس سوى إحدى الفقرات المطلوب إنجازها في إطار البرنامج المرافق للقرار 1559. وكما القرار نفسه لم يكن "حاجة لبنانية" فإن الترسيم أيضاً ليس "حاجة لبنانية" كما أنه ليس "حاجة سورية".

حاجة من إذاً؟

ابحثوا عن صاحب الحاجة في هذا "الانقلاب" كله, أعيدوا أذنكم ثانية صوب ألسنة السفراء ووصاية دولهم, والمندوبين والمحققين وتقاريرهم. وفرّوا ما شئتم من ألوان لريشة الرسام تيري رود لارسن, ولكن, عليكم أن تتذكروا جيداً أن التاريخ لا يرسم ولا يرتسم.