كلوفيس مقصود (النهار)

هل بدأنا نشهد مفارقة آخذة في الوضوح؟ بمعنى آخر هل ان ما تدعيه ادارة الرئيس الاميركي جورج بوش ان حربها في العراق من اجل "نشر الديموقراطية وبنائها" آخذة في تآكل الديموقراطية داخل الولايات المتحدة نفسها؟ لقد اصبحت الاجابة عن هذا السؤال الخطر اولوية لشرائح متنامية في المجتمع الاميركي، وان جاء متأخرا لأن ادارة الرئيس تمكنت من طمس الحقائق وصرف الانظار عن عملية المساءلة التي بقيت مهمشة حتى انكشاف التزوير والكذب الذي اكد وجود اسلحة الدمار الشامل في العراق والتنسيق بين نظام صدام حسين وتنظيم "القاعدة". ثم كانت احدى وسائل طمس هذا التزوير الادعاء ان الحرب على العراق ليس سوى مشروع ازالة طغيان ديكتاتورية نظام صدام وارساء قواعد الديموقراطية في العراق، كي يصبح "نموذجا" يقتدى به في "الشرق الاوسط الكبير".

تمكنت عملية طمس الحقائق من ان تحرف، وبنسب متفاوتة، انظار العالم عن لاشرعية الحرب واعادت تصويب انظار العالم نحو احتمالات نجاح بناء الديموقراطية في "البلدان العربية والاسلامية" هذا التحريف عن مسار المساءلة عن الدوافع الحقيقية للحرب على العراق تحول تحذيرا للوعي في الداخل الاميركي اعتبرته ادارة بوش وفريق المحافظين الجدد حالة سائدة ودائمة، وبالتالي تصرفت على اساس ان اي اعتراض ناهيك بمعارضة سياساتها هو نشاز وان في استطاعة الرئيس بوش ولاسيما نائبه البقاء في حالة الانكار الذي تحول تحذيرا لدى ادارة بوش نفسه. ثم ما كادت الحقائق على ارض المعركة في العراق ان تكشف الخسائر المتزايدة والتي تقارب اليوم عن اكثر من الفي جندي اضافة الى آلاف الجرحى والضحايا الابرياء من الشعب العراقي حتى أفاقت القوى المعارضة واخترقت جدار الصمت واخذت المساءلة تثبت وجودها مدفوعة بوعي ان تغييب المساءلة سوف يؤول الى تآكل في الحريات المدنية والدستورية وطعن مباشر في مؤسسات الحكم ومعادلة الفصل بين السلطات الضامنة للديموقراطية الحقيقية.

الا ان الاشكالية التي برزت تمثلت في تصادم تنامي الوعي الجماهيري وسوء التحذير في اصرار ادارة الرئيس بوش على الامعان في اجترار حالة الانكار التي اشرنا اليها والتي تفسر الخفوض المتواصل في التأييد الشعبي والذي دفعه في الايام الاخيرة الى محاولة الرد على المعارضة الناشئة، وكان آخر الردود هو خطاب "استراتيجيا الانتصار في العراق".

II

التسويق الذي قامت به اجهزة الاعلام الرسمية تمهيدا لخطاب الرئيس بوش جاء دليلا آخر على عجز الادارة الاميركية عن فهم عمق الفجوة الحاصلة بين الحركة المتنامية ضد الحرب وبين حملة تغيير الحقائق التي يضمن انكشافها التصحيح المطلوب في الحالة السياسية الاميركية. نشير الى هذه الظاهرة لا لأهمية الدور الاميركي في الشأن الدولي عموما بل لما يستتبع التطورات الفكرية والسياسية والمفاهيم الثابتة والمتغيرة في الفكر الاستراتيجي الاميركي، من تأثير مباشرة وفاعل في المنطقة التي تضم الامة العربية.

الخطأ الاول في نظري في تسويق خطاب بوش "خطة للانتصار" ان المنبر الذي اختاره اعلاميو البنتاغون (والبيت الابيض) كان معهد البحرية الاميركية، وهو دليل على الاستمرار في اطار عسكري حيث يلقي الرئيس خطبه ضامنا ان الضباط والجنود الحاضرين سوف يساهمون بصمتهم وتصفيقهم موافقة شاملة او عدم اعتراض علني في ايصال الرسالة اذ ان الرئيس بوش يتكلم كالقائد العام للقوات المسلحة لا كرئيس منتخب معرض للمحاسبة!

ورافقت هذا الخطاب الاول من سلسلة يلقيها قبل الانتخابات العراقية في 15 الشهر الجاري، تطورات واحداث القت بظلالها عليه واظهرت ان سياسة الانكار وتحريف الانظار عن حقائق الواقع، مع تبيان المخالفات الصارخة والتي تهدد القيم التي ساهمت في ما يعتبر حقا نجاحا في بلورة مفاهيم التعددية وحماية حقوق الانسان وحرية التعبير واستقلالية القضاء. وان تعمد تجاهل هذه التطورات بشكل استفزاز للوعي الوجداني داخل الولايات المتحدة، ولمزيد من الوعي المطلوب في المجتمع الدولي.

الا ان بوادر هذا التآكل تجيء في ظرف يتقاطع مع تصاعد العنف في العراق مما يدفعنا الى مزيد من التركيز على استيعاب المعاني والآثار التي تنطوي عليها مفارقة التآكل المحتمل للديموقراطية داخل الولايات المتحدة وتركيز ادارة بوش – تشيني على ان الغاية من حربها في العراق قيام النظام الديموقراطي فيه".

III

لعل احد المؤشرات الاخيرة الى التآكل في ديموقراطية الحالة الاميركية وتأثيرها السلبي في ادعاءات "نشر الديموقراطية في العراق" الفضيحة التي كشفتها صحيفة "واشنطن بوست" و"لوس انجلس تايمس" كما سمي بزرع المقالات سرا وبمقابل في الصحف وبعض وسائل الاعلام العراقية ترويجا لسياسات الحرب الاميركية وانجازاتها في العراق. وتقوم بادارة حملة "الزرع" هذه "مؤسسة لنكولن" بالاتفاق مع وزارة الدفاع الاميركية. صحيح ان زرع المقالات سرا وتسريبا كان احدى وسائل الاعلام خلال الحرب الباردة ولكن في هذا الواقع جاء الزرع سرا مقالات يكتبها احيانا ضباط اميركيون وتنشر بأقلام عراقية في مقابل مالي او بمثابة مضامين دعائية للوجود الاميركي ومنافعه وانجازاته معركة "باخراج عربي"، او بترجمة لمقالات تكتب في البنتاغون وفي حال انفضاحها تتحول اعلانات مدفوعة. ورغم الاحراج التي تسببت به "زراعة" لمقالات حاول البنتاغون تبريرها بكونها عملية "تصحيح للمعلومات الخاطئة" التي تروجها وسائل الاعلام العربية، وفي مقدمها قناة "الجزيرة" التي يبدو انها صارت مكسر عصا او ما نسميه في لبنان "فشة خلق" البيت الابيض وفريق المحافظين الجدد تبريرا لعجزها في حملة "كسب عقول العرب والمسلمين وقلوبهم". هذا النوع من "الزراعة" السرية لمقالات دليل على الفساد والتصميم على الافساد، مما دفع رئيس لجنة الدفاع في مجلس الشيوخ السيناتور ورنر (الجمهوري) الى ان يعلن بعد التحقيق مع كبار الضباط في البنتاغون انه "شديد القلق حيال هذا النمط في التعامل مع الاعلام". واكثر من ذلك ان هذه "الزراعة" للمقالات السرية منها والعلنية تساهم في التشكيك بمهنية الاعلاميين الاميركيين في تغطيتهم لاحداث العراق.

يضاف الى هذا الافساد الاعلامي، وهو خطر داهم على حرية الصحافة والاعلام، النجاح في تسريب، ومن ثم تعميم، كلمة تمرد او عصيان على كل اشكال مقاومة الاحتلال. فتعميم كلمة تمرد او عصيان يقصد منه الدمج بين شرعية المقاومة للاحتلال وعمليات الارهاب اللاشرعية واللاخلاقية. هذا الدمج يحول دون قدرة القارئ او المشاهد او المستمع على التمييز بين المقاومة والارهاب. واذا وصفت كل العمليات بالتمرد او العصيان فيتم الالتباس لان التمرد هو عصيان على حالة قائمة شرعية. وهذا الالتباس مساهمة اسرائيلية في التشويه اللفظي لأن اسرائيل تعتبر ان كل مقاومة لاحتلالها - كونها ترفض وصفها بسلطة محتلة – تمرداً على حق اسرائيل في "المناطق". وصف المقاومين في العراق بالعصاة يخرجهم على الشرعية التي يوفرها لهم ميثاق الامم المتحدة والقانون الدولي، وهذه الشرعية محجوبة عن عمليات الارهاب وقد لا يبدو هذا الالتباس خطراً الا انه يساهم في التزوير السائد في الاعلام الغربي، وان كان في كثير من الاحيان بدون قصد.

IV

ومع الاهمية البالغة وخطورة عمليات "الزرع المشبوه" للمقالات في العراق وتعمد الالتباس في استعمال "التمرد" للخلط بين المقاومة والارهاب واسهامهما في تآكل الالتزام بالديموقراطية، هناك اخطار هائلة قد تكون اشد وقعاً على النظام الاميركي، وهي ما قامت به وكالة المخابرات الاميركية CIA سراً في بعض دول اوروبا الشرقية مثل رومانيا وبولونيا، وفي تايلندا، من زرع معتقلات يمارس فيها التعذيب المنافي للقوانين الدولية ذات الصلة، والتي تم الكشف عنها وعن ممارستها الشرسة، مما دفع الاتحاد الاوروبي الى الطلب من وزيرة الخارجية الاميركية في زيارتها غداً الى اوروبا وضع حد لهذا الخرق الفاضح. والمؤسف ان الجواب الاميركي الرسمي على هذه المعتقلات "السرية" هو المطالبة بالقبول بها لكونها تعبيراً عن تنسيق مطلوب في حملة اميركا – وهذا كما يبدو، ستكون عليه اجابات الوزيرة الاميركية – مع حلفائها على الارهاب. بانكشاف معتقلات التعذيب في بولونيا ورومانيا بدت استمراراً لما اختبره شعبا هاتين الدولتين اثناء الهيمنة السوفياتية في اوج العهد الستاليني. هذا الكشف جاء في اعقاب ما قامت به السلطات الامنية الاميركية في سجون أبو غريب وما تقوم به في معتقل غوانتانامو. رغم ان ممارسات الارهاب والتعذيب في أبو غريب ارادت ادارة بوش تسويقها كشطط فان استمرار التعذيب في معتقلات سرية يشير الى كون هذه الوسائل نمطاً سائداً من شأنه التشويه وافساد المسيرة الديموقراطية لمن يدعي رسولية نشر الديموقراطية عالمياً، وخصوصاً في "الشرق الاوسط الكبير".

واذا اضفنا الى الفساد المستشري عند قيادات في الحزب الجمهوري، خصوصاً توم ديلاي زعيم الاكثرية، المعلقة زعامته موقتاً، تداعيات معالجة البيت الابيض لاعاصير كاترينا، وما هو حاصل مع شركات اعادة البناء في العراق وغيرها وغيرها من الممارسات المعيبة لشركات تعمل من دون اشراف فعلي وضوابط قانونية ومناقبية، نرى ان كل هذه المآخذ المتكاثرة اخذت تدفع الرأي العام الى المطالبة بالشفافية ومحاسبة المسؤولين عن سياسات تتطلب ردعاً فورياً حتى لا يستمر التآكل في الجسم السياسي الاميركي.

نشير الى هذه المفارقة كون الاعلام المشوه والفساد والمخالفات في معتقلات التعذيب السرية منها والعلنية والتمسك بالافكار في رفض محاسبة من وصلوا الولايات المتحدة الى هذه المفارقة الخطرة هي التي تجعل المحاكمة القادمة لسكوتر لبي، رئيس اركان نائب الرئيس تشيني السابق، واحتمال ان يلحق كارل رون، المستشار السياسي للرئيس بوش، وبدء فرض عملية التصحيح التي تنضجها جرأة في طلب المساءلة والمحاسبة عند قطاعات مهمة ومتزايدة في نفوذها، وفي احتمالات نجاحها في استرجاع الديموقراطية الاميركية بوصلتها. ان الاستياء السائد من السياسات الاميركية، خصوصاً كما ظهر في التعالي على ضرورة الموافقة على اتفاق كيوتو وما يحصل من تصرف استفزازي، لتعامل السفير بولتون المتعجرف في الامم المتحدة... كل هذه العوامل قد تؤدي بالشعب الاميركي الى مواجهة لن تتوقف الا باجابات واضحة وعقوبات على كل من ساهم في تشويه القيم الاميركية وتهميشها كعامل مكوّن لسياسات اميركا الداخلية والدولية. هل يدرك العرب ان ثمة فرصة متوافرة لهم للتعجيل في التصحيح. فاذا ما تم التنسيق في ما بينهم لا تعود تنفع حملات التبشير بالديموقراطية وارساء قواعد الاملاء وترسيخها، وقد تفتح امامنا حملة التصحيح فرصاً لدفع الادارات الاميركية الى مراجعة جذرية لسياسات التحيز لاسرائيل ولخروج الاحتلال من العراق ليقرر شعب العراق مصيره بنفسه، وهو الآن أوعى بقضاياه. ومن دون تنسيق ملزم بين العرب لن نستطيع الافادة من الفرص المتاحة.