محمد أيمن الميداني (السفير)

شاهدت المؤتمر الصحافي التلفزيوني الذي عقدته السلطات الاقتصادية والنقدية والمصرفية بموافقة من غرفة التجارة وغرفة الصناعة مساء 15 تشرين الثاني 2005، واستمعت بكثير من الانتباه والاهتمام الى البيانات والتصريحات وأسئلة الصحافيين والإجابات عليها كما كنت قد شاهدت مؤتمرا صحافيا تلفزيونيا سابقا للسيدين نائب رئيس مجلس الوزراء وحاكم مصرف سوريا المركزي في 21 أيلول 2005.

لا شك في أن هذه المؤتمرات الصحافية تعتبر سابقة عندنا في أسلوب الإعلان عن سياسات اقتصادية او مالية او نقدية. وتوضيح هذه السياسات والاجابة على أية تساؤلات حولها، وهو ما يعكس المهنية والجرأة والشفافية والثقة بالنفس التي نتوقعها من المسؤولين الفنيين والسياسيين في سوريا. طبعاً الهدف من هذه المقالة ليس الإطراء فقط، وإنما التعليق على بعض التصريحات وإجراءات السياسة النقدية والقطع الأجنبي التي قدّمت في المؤتمرين. أولاً: تكرر القول في المؤتمرين ان الاجراءات النقدية الجديدة هي جزء من عملية مستمرة لتحرير الليرة السورية، وأنها ليست ردود فعل لأزمات. لعل في هذا القول بعض المجافاة للواقع. وهنا أود القول إنه إذا كانت هذه الاجراءات جزءاً من عملية تحرير مستمرة، فإن التوقيت خطأ. ذلك ان التغيير في السياسات يجب ان يتم في أوقات طبيعية Normal Times، وليس في أوقات الأزمات والضغوطات السياسية الخارجية والداخلية.

من ناحية المبدأ نقول لا للإصلاح النقدي المؤدي الى تحرير العملة بالكاملة في الأوقات غير الطبيعية. فمثلا إذا قمنا بتحرير كامل للعملة وأصبحت الليرة السورية قابلة للتحويل بالكامل Fully Convertible Currency، هل سيتشجّع المستثمرون غداً على القدوم الى سورية وتوظيف أموالهم في مشاريع فيها في ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية الداخلية الراهنة والضغوطات الخارجية الحالية؟ فكما هو معروف إن ما يحكم قرار الاستثمار في أي بلد هو مناخ الاستثمار الذي يحدد العائد على الاستثمار ومخاطر الاستثمار.

ثانياً: إذا كان هدف هذه الإجراءات هو الدفاع عن معدل صرف الليرة السورية مقابل الدولار التي تتعرّض للضغوط في هذه الآونة لأسباب سياسية أكثر منها اقتصادية، فيجب قول ذلك بكل جرأة وصراحة، ليدرك المجتمع أن هناك سلطة نقدية قادرة وساهرة على حماية النقد الوطني. وقد يكون من المفيد هنا البدء بتشخيص الواقع وانعكاساته الاقتصادية والنقدية بموضوعية أكثر ودعائية أقل لإظهار المستوى العلمي والعملي الرفيع للسلطتين الاقتصادية والنقدية، ما يُكسبهما المصداقية والاحترام، وهي من أهم العوامل التي تولّد الثقة بالليرة السورية. في هذه الحالة سيكون الناس مستعدين للاستماع الى نصائح المسؤولين باهتمام، وسيكون احتمال ان يتجاوب الناس مع هذه النصائح أكبر. ثالثاً: كان هناك نوع من التبجح في المؤتمرين بالاحتياطي النقدي الكبير في المصرف المركزي (الى درجة ان ممثل غرفة الصناعة ذكر رقماً للاحتياطي في المؤتمر الثاني)، وكان هناك تحدّ بأن معدل صرف الليرة السورية مقابل الدولار سيحدد دوماً بأقل من السوق الحرة في نشرة أسعار العملات التي يصدرها المصرف المركزي ويلتزم بها المصرف التجاري السوري والمصارف الخاصة المسموح لها ببيع العملة الاجنبية. وعلى افتراض ان هذه المصارف ستقوم ببيع الدولار بالأسعار المحدّدة (المدعومة) وأن مصرف سورية المركزي سيمدّ المصارف بالدولار، يطرح السؤال الى متى يصمد احتياطي العملات في وجه طلب كبير من المستوردين والمضاربين؟ وبالفعل سأل أحد الحضور في المؤتمر الصحفي الاول هذا السؤال بالذات وكانت الإجابة غير شافية. ولم يكد يمضي اسبوع على المؤتمر الصحافي الثاني حتى خُرق هذا التحدي حين رفع المصرف التجاري السوري سعر مبيع الدولار الى 57 ل س ليجاري سعر السوق الحر. كان من الأفضل عدم قول تصريحات غير مدروسة والاعلان عن تحديات لا يمكن الالتزام بها.

من ناحية المبدأ نقول لا لاستعمال الاحتياطي النقدي لمحاربة المضاربين وتجار المال وأصحاب المصالح الخاصة والنفوذ من الداخل والخارج في أوقات غير طبيعية، خاصة أننا لسنا في نظام نقدي حر (معدل صرف عملة عائم)، كما ان العملة السورية ليست قابلة للتحويل بالكامل. وأودّ التذكير هنا ان المضارب العالمي المعروف جورج سوروس قد ركّع الخزينة البريطانية وحقق أرباحاً خيالية في 16 ايلول 1992 عندما أخذ مركزا قصيرا (باع ما لا يملك مقترضاً) في الجنيه الاسترليني بما قيمته أكثر من 10 مليارات دولار. والسبب أن مصرف بريطانيا المركزي Bank of England كان مصراً على عدم رفع معدلات الفائدة الى المستوى المماثل كما في الدول الاوروبية الأخرى العضو في نظام آلية معدّلات الصرف الاوروبي EERM او تعويم الجنيه الاسترليني. (المصدر: ياهو فاينانس). كذلك نرى أنه من غير الحكمة ذكر او تداول أرقام عن الاحتياطي النقدي علناً في المؤتمرات الصحفية.

رابعاً: كان هناك نوع من التبجح ايضاً في ان المصرف المركزي يأخذ حصصاً متزايدة من سوق تمويل الاستيراد في سوريا وصلت حالياً حتى 60 بالمئة. ان اتباع سياسة كهذه لا ينمّ أبداً عن أننا حررنا أسواق القطع الأجنبي، وإنما تعني أننا ما زلنا نعمل ضمن سوق نقدية موجّهة. وسيكون المصرف المركزي تبعاً لهذه السياسة ملزماً بالاستمرار في تأمين القطع الأجنبي للمستوردين مستقبلاً، كما أنه سيكون عرضة لحجم طلب متعاظم على القطع الأجنبي الموجود في خزانئه، فإذا ما قصّر او توقّف عن الإمداد حدثت الأزمات لمعدل صرف الليرة. من ناحية المبدأ لا نعتقد ان من وظيفة المصرف المركزي تمويل الاستيراد. هذه العملية هي من مهام النظام المصرفي: اي المصرف التجاري السوري والمصارف الخاصة الجديدة. هذه المصارف لها وارداتها من القطع الأجنبي من مصادر متعددة (تحويلات وصرافة وودائع... الخ)، وعليها يقع عبء تمويل الاستيراد، كل حسب موارده وإمكاناته ومقدرته على التوفيق ما بين واردات القطع الأجنبي والطلب عليه. أما المصرف المركزي فوظيفته مدّ السوق بالسيولة من القطع الأجنبي عند الحاجة. وهنا تكمن الأهمية الكبرى لتحديد ماهية ونطاق السوق، وضع آليات للتدخّل في السوق، وخلق الأدوات المالية التي يتمّ التدخل من خلالها.

خامساً: من الملاحظ ان إجراءات تمويل المستوردات بدولار أرخص من سعر السوق الحرة يشجّع على الاستيراد بشكل كبير، كما أنه يفتح باباً جديداً للفساد. فقد سمح للمصارف بتمويل استيرادات حوالى 1000 مادة وسلعة (12 فصلاً جمركياً)، والآن هناك مطالبة من مستوردين آخرين مثل تجار السيارات يطالبون بضم آلياتهم الى هذه اللوائح. هل نحن فرحون بتشجيع وتمويل استيراد المياه المعدنية والعصائر والمنظفات والزيوت والسلع الاستهلاكية الاخرى كما الأدوات المنزلية الكهربائية والسيارات... الخ من دول عربية وأجنبية على حساب منتجات صناعتنا الوطنية؟ أم ان هناك مجموعات ضغط وأصحاب مصالح تتراكم عندها الليرات السورية بكميات هائلة وترغب بأن تستبدلها بالدولار الرخيص من خلال تقديم بوالص استيراد وهمية، كما حدث مؤخراً حين حصل شخصان فقط على 150 مليون دولار من مصرف في حلب وطرطوس مقابل تقديم بوالص استيراد وهمية. إن فتح مثل هذا الباب في سوق نقدية مقيدة لم تستكمل تحوّلها الى سوق نقدية حرة يؤدي الى استنزاف الاحتياطي النقدي في المصرف المركزي؟

سادساً: كان من الأجدى لو ان صانعي السياسة الاقتصادية والنقدية ركّزوا على تشجيع إنشاء الصناعات التصديرية التي تنتج القطع الأجنبي لا تستهلكه. ولو أنهم عملوا على رفع القيود على إعادة قطع التصدير. إن تطبيق مثل هذا الاجراء يعتبر من العوامل الهامة في زيادة الثقة في الليرة السورية وتحفيز المصدرين على إعادة دولارات حصيلة التصدير الى سوريا بإرادتهم، عوضاً عن اللجوء الى الوسائل الملتوية للتهرّب من إعادة القطع. لنمنح المصدرين حرية التصرف في حصيلة صادراتهم من القطع الاجنبي بوضعها في المصارف الخارجية والداخلية لاستعمالها في استيراد موادّ أولية وتجهيزات رأسمالية، او بيعها في السوق المحلي إذا لم يكن هناك حاجة فورية لاستعمالها. فالكل يعرف وخاصة التجار أنه من الخطر تكديس العملة الأجنبية خوفا من تقلبات (انخفاض) معدل صرفها كما حدث لعملات مثل الدولار والين واليورو الاسترليني في أوقات مختلفة.

سابعا: ما معنى السماح للمصارف ببيع 5000 دولار الى المواطنين شرط ان يودعوها في المصرف لمدة 6 أشهر؟! فبحساب بسيط: إذا تقدم 5 ملايين من سكان سوريا بطلب ال5000 دولار المذكورة، فان هذا يعني انه يتوجّب على المصارف بيع 25 مليار دولار الى الافراد؟! من أين ستأتي المصارف بهذه المبالغ؟ هل سيقوم المصرف المركزي بتزويد المصارف بها؟! ما هي الفائدة المرتجاة من هذا القرار؟ فلا عرض الدولار في السوق الآني Spot Market ازداد؛ لأن الاموال مجمّدة ل 6 أشهر، ولا تمّ بث رسالة ثقة بالليرة السورية؛ لأن القرار يؤشر الى دولرة الاقتصاد السوري. لكنه قد يتمّ من خلال هذه العملية استنزاف الاحتياطي النقدي بنجاح.

ثامنا: كيف نقول إننا نتحوّل الى سياسة اقتصاد السوق الحر ويفرض المصرف المركزي على المصارف فئات القيمة (500 ألف ومليون ل س) ومعدلات الفائدة (9 بالمئة لسنة، 9,5 بالمئة لسنتين، و10 بالمئة لثلاث سنوات) على شهادات الإيداع التي سمح للمصارف بإصدارها؟ ونتساءل هنا عما إذا كانت المصارف ستقوم بإصدار شهادات إيداع لاجتذاب موارد مالية جديدة هي ليست بالضرورة بحاجة اليها الآن؟! فكما هو معروف تواجه المصارف صعوبة في إقراض المتوفر لديها من الودائع لضعف الطلب على القروض في مشاريع إنتاجية مفيدة للبلد في ظلّ الاوضاع الاقتصادية والسياسية الراهنة من جهة، ولقلة المُقترضين ذوي الأهلية الائتمانية المقبولة من جهة أخرى. علماً أنه يوجد طلب كبير على الاقتراض بالليرة السورية لتحويلها إلى دولار وهذا ما لا نريده على الإطلاق، وما يجب ان نحاربه برفع الفوائد على الليرة السورية. كذلك نتساءل كيف توصّل المصرف المركزي الى أرقام معدلات الفائدة على شهادات الإيداع المذكورة أعلاه في حين أنه لا يجوز للمصارف ان تتقاضى أكثر من 9% على القروض. وبافتراض انه سُمح للمصارف بأن تتقاضى 1 1,5 بالمئة فوق فائدة شهادات الإيداع على التسليف، هل يكفي هذا الهامش Spread لتغطية نفقات وأرباح المصرف؟! هناك شكوك برغبة المصارف الخاصة بإصدار شهادات إيداع فوراً إذا لم تتوفر لديها فرص إقراض لمشاريع إنتاجية (صناعية سياحية عقارية نفطية مرافق بنية تحتية... الخ) كبيرة؟ أما المصارف العامة فتعمل بحسب التعليمات الإدارية.

تاسعا: إن معدلات الفائدة هي خط الدفاع الاول على الليرة السورية. وقد كان يجب ان تستحوذ عناية أكبر. فقد كان من المفروض ان ترفع الفوائد على الودائع وشهادات الاستثمار ب21 بالمئة بزيادات متتالية نصف بالمئة كل مرة على فترة من الزمن. إن رفع الفوائد في هذه الفترة ضروري لمحاربة التضخم الذي ارتفعت معدلاته، ولدعم الليرة بتوسيع الفارق ما بين فائدة الليرة وفائدة الدولار ما يشجع المدخّرين على الاحتفاظ بها. أما ما أقدم عليه التجاري السوري منذ يومين برفع فائدة الدولار على الحساب الجاري من 3,10 الى 3,5 بالمئة، فإنه ليس هذا تماما ما هو مطلوب، إذ أنه قد يساهم في التوجّه من الليرة نحو الدولار. المطلوب في هذه الأوقات هو رفع الفوائد على الودائع بالليرة السورية.

عاشراً: من الضروري التذكير بأن ارتفاع الدولار في السوق السوري يعود جزئياً الى ارتفاع سعر الدولار عالمياً. فقد تحسّن الدولار الاميركي بأكثر من 14 بالمئة أمام اليورو و16 بالمئة امام الين منذ بداية عام 2005 حتى الآن بسبب معدلات النمو الاقتصادي الاميركية القوية 3,8 بالمئة، ورفع معدل الفائدة الاميركية 12 مرّة متتالية منذ حزيران 2004 من قبل البنك المركزي الاميركي لتصبح 4 بالمئة حالياً، والمتوقع ان تصل الى 4,5 بالمئة قبل نهاية العام. (المصدر: ياهو فينانس).

حادي عشر: كذلك لا بد من التنويه الى ان انخفاض معدل صرف الليرة السورية مقابل العملات الاجنبية قد يكون مفيدا من حيث تنمية الصادرات إذ تنخفض تكلفتها على المستوردين من الأجانب. ثاني عشر: لا نعتقد ان الاجراءات القسرية ضد الصرافين ستدعم معدل صرف الليرة السورية، بل إنها ستزيد من بلبلة الأسواق وتعمّق من فقدان الثقة.

في النهاية نقترح أنه قد يكون من الأجدى في هذه الظروف التي تمر بها سوريا والمنطقة من ان تعطى أولوية أعلى لإصلاح جدي في المجال السياسي، ما قد يعطي رسالة أكثر واقعية للداخل والخارج عن وجود رغبة حقيقية في الإصلاح. إن الإصلاح السياسي يقوّي ويوطّد شعور المواطنة والانتماء والارتباط ويشجّع السوريين المقيمين والمهاجرين على الاستثمار في بلدهم. هذا بدوره يشجع مستثمرين عربا وأجانب على الإقدام على الاستثمار في سوريا. فبالرغم من ان الاستثمار في سوريا قد يعود بعوائد متوقعة عالية، لكن مخاطر الاستثمار تعتبر عالية، لذلك يجب تخفيضها على الأقل في الجزء السياسي منها.