نزار سلوم

يستخدم مصطلح "الدولة الأمنية" على نحو ملحوظ، للتعريف بالدولة غير القابلة للتعريف السياسي، أو التي تكون "السياسة" فيها غائبة أو مغيبة، فيما الحاضر الدائم ليس سوى "الأمن" ومتطلباته ومقتضياته من أجهزة ومؤسسات وأدوات ورجال. غير أن الاستخدام الشائع للمصطلح لا يشير إلى هذا المعنى، بمقدار ما يتجه ليكون اتهاما للدولة بكونها "أمنية" في سلوكها ولكن في سياق العملية السياسية الجارية بما يعني أن السياسة ليست غائبة، وإن شهدت بعض الخفوت في حضورها بين آونة وأخرى، وبذلك يتم انتزاع المصطلح من سياقه، ويحشر في سياق "اللعبة السياسية" المزدحمة أصلا بالمصطلحات المتناقضة.

وفق متطلبات هذه اللعبة راج الحديث عن "الأمن" ودولته في لبنان، من قبل الرجال"الزعماء السياسيين " أنفسهم، الذين هم بشكل أوبآخر جزء لا يتجزأ من هذه الدولة، بل أكثر من ذلك يشكلون الجزء الثابت الذي يحول دائما دون إجراء تغييرات بنيوية في الدولة ومؤسساتها ومفاهيمها، رغم إيهامهم بتكرار خطاب انقادي لها، لا يعدو كونه وسيلة في انتزاع منافع تكتيكية وخاصة.

على أن "اللعبة السياسية" في لبنان، استطالت وكبرت على نحو متسارع منذ عام مضى وأكثر بقليل، فبدأ مصطلح "الدولة الأمنية" قاصرا وغير ذي كفاءة في السياق السياسي المتداول، ولما كانت "سورية" معنية مباشة بالمتغيرات في لبنان، ووجودها العسكري كان وما زال قائما، اعتمد مصطلح"النظام الأمني اللبناني – السوري" لوصف المجال "السوري- اللبناني" الموحد في أدائة الاستراتيجي منذ 15 عاما، والمرتكس عن هذا الأداء نفسه خلفا، على نحو مباشر منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري (14 شباط 2005).

غير أن المصطلح الذي تم استخدامه من قبل زعماء "14 آذار" ، لم يأخذ المعنى العام الذي أشرنا إليه آنفا،بمقدار ما استقصد من استخدامه "المعنى المرزول" للنظام الأمني، الذي يشير تحديدا وفق مصطلح "عريق" في الأدبيات السياسية إلى "المخابرات" وأجهزتها ومهمتها المحصورة – حسب الأدبيات ذاتها- بقمع الحريات العامة وإسكات الأصوات المعارضة، حيث وفق هذا المعنى يكون"النظام الأمني اللبناني – السوري" مسؤولا عن كل "واقعة" وقعت في لبنان، سواء أكانت جريمة سياسية، أو مالية أو ثقافية، أو إعلامية، أو أي شيء تفصيلي بسيط في آخر متر مربع على الخارطة السياسية.

(من الأهمية أن نتذكر أن المنظرين الأوائل الرئيسيين ي هذا المجال شكلوا الركن الرئيسي – المبرر والمنتفع في آن – من هذا النظام، وعلى مدى الخمسة عشر عاما التي تشكل عمره!!). إن وصف النظام الأمني الذي كان قائما في لبنان بأنه لبناني – سوري يحدد هويته بكونه ثنائي المرجعية، ثنائي الأدوات والأهداف، وهو "ثنائي" بحصر المعنى، فلا يقبل التعدي بحيث يصبح "ثلاثيا" أو "رباعيا...." مثلا.

وفي الوقت الذي شكل فيه هذا "النظام" إسنادا استراتيجيا " غير ملتبس" وحاسما للمقاومة الوطنية في جنوب لبنان، إلى أن تحرر من جيش الاحتلال الإسرائيلي، فإنه حاول القبض على "اللعبة السياسية" اللبنانية المكشوفة تقليديا على مختلف المرجعيات الخارجية، فنجح في بعض الأحيان، وفشل في بعضها الآخر، فظل في "حالة خصومة" مكبوتة، غير معلنة مع العديد من الجهات غير المعتادة على"سقف الدولة"، والمعتادة أصلا على النوافذ المشرعة على الخارج، وعلى أن تعامل كـ "دولة" في حين كان النظام نفسه مع " خصومة معلنة" واضحة مع جهات أخرى، آثرت عدم التخفي في جلبات الدولة ومشروعها، فأعلنت "مشروعا خاصا" بها والتزمت به وتحملت تبعات موقفها على مدى خمس عشرة سنة منقضية.

وفي وقت يحيط الالتباس فيه بـ "توليفة 14آذار" المشكلة من جهات سياسية وأحزاب وشخصيات متناقضة في مسيرتها وأهدافها، وذلك لجهة اعتبار هذه "التوليفة" إنتاجا "لبنانيا خالصا" أو أنها "توليفة" توهم بـ "اللبنانية الخالصة"، بينما تبدو مرجعياتها، على نحو واضح، دولية متعددة الأطراف!! لا بد من ملاحظة مقدار النجاح الذي حققته هذه "التوليفة" فيما يمكن تسميته بـ "الانقلاب الدولي" في لبنان على" النظام الأمني – اللبناني – السوري" وفق المصطلح "الآذاري" نفسه بالرغم من كون هذا "الانقلاب " لم ينجز أهدافه التي صممها لنفسه بعد والتي يتمثل بعض أهمها في القرار 1559، بينما يتمثل بعضها الآخر في "العبور" إلى "سورية" لزعزعة وضعها وتغيير موقفها ومحاولة دمجها في مقتضيات البرنامج الأميركي – الإسرائيلي استطرادا، وذلك من بوابة التحقيق في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، مرورا بقاعة مجلس الأمن الدولي التي من الواضح أنه تم السطو عليها أميركيا.

وإذا كان "الانقلاب الدولي" في لبنان قد حقق نجاحا ملحوظا على النظام الثنائي "اللبناني – السوري" فإن هذا النجاح لايزال في إطار "الدولة" ويتجلى تماما في الجملة السياسية المؤسسة قبل الانتخابات النيابية (صيف 2005) والمكرسة بعدها، في حين يبدو لبنان راهنا مقسما بـ " المعنى الدولي" وأهدافه وأدواته ومختلف ما ينتج عنه.

وفق "الانقلاب الدولي" ورؤيته، ومعظم زعماء "توليفة 14آذار" ينتقل لبنان من نظام ثنائي "لبناني – سوري" إلى نظام تعددي "لبناني – أميركي – فرنسي- إنكليزي..." أي يتحول إلى " دولة دولية" ليس بكونه "سويسرا الشرق كما كان يلقب، بل بكونه منظورا إليه كـ "منطقة مشاع" غير قابلة لإقامة "دولة" فيها.