إياد أبو شقرا(الشرق الأوسط)

أيام المدرسة الثانوية أتذكر كيف أن المسائل الهندسية التي تعلمناها تقوم على «المعطيات» Given و«المطلوب إثباته»Required to Proof. فلا منطق ـ والرياضيات لب المنطق ـ إلا بوجود معطيات محددة وغاية يراد الوصول إليها من أي عملية حسابية. ولكن من يرصد المشهد السياسي اللبناني يلاحظ أن معظم اللاعبين المتحركين على الساحة مستغرقون في ممارسة التكتيك من دون أن تكون لدى أي منهم استراتيجية طويلة المدى. معظم اللاعبين يسعى اليوم لتحصين مواقعه في وجه حلفائه قبل خصومه، ويتبنى مواقف نكاية وكيد بعدما «فرطت» غالبية الفرضيات المتعلقة بالمبادئ السامية الحافظة للوطن و«الخطوط الحمراء» الضرورية لحماية ما تبقى منه. خلال الأسبوع الفائت قام لبنان ولم يقعد على قصة هسام طاهر هسام، رجل الاستخبارات السوري الذي يُقال لنا أنه نجح في تضليل التحقيق الدولي الجاري في جريمة اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري. والمثير للاستغراب أن شخصا آخر من قبله، هو محمد زهير الصديّق، عمل في الاستخبارات السورية وأدلى بشهادات ثمة من يطعن فيها اليوم.

طبعاً، بعض «أصدقاء» دمشق هللوا فرحين بـ«تصريحات» هسام الصحافية مطالبين بشطب كل ما شهد به باعتباره جاء تحت الإكراه والإغراء (كما ادعى هسام). بينما لحظ خصوم لدمشق أن الشاهدين «المزيفين» كانا يعملان أساساَ في الأجهزة الأمنية السورية، وتعمّدا الاتصال بلجنة التحقيق للتبرع بشهادتيهما. وبالتالي، استنتج هؤلاء الخصوم من الرعاية الرسمية السورية لهسام بعد عودته إلى دمشق أن ثمة خطة مبيتة غايتها تضليل التحقيق وتعطيله. ما من شك، أن دمشق غير راضية عن التحقيق. فلا نظام في العالم يسعده أن يكون موضع اتهام بخطورة الاتهام الموجه إلى بعض الأركان الأمنيين في الحكم السوري. ولكن واضح أيضاً من الأقوال والممارسات على أعلى مستويات السلطة أن دمشق تراهن على، وتعمل باتجاه، تغيّرات ما في الوضع السياسي اللبناني تنهض بها ثلاث فئات:

ـ الأولى جماعات مسلّحة غير لبنانية محسوبة عليها وتأتمر بأوامرها أمنياً وعسكرياً.

ـ الثانية جماعات لبنانية مشبوهة الولاء اعتاشت «ارتزاقياً» من فترة النفوذ السوري المباشر. ـ الثالثة قوى مناضلة ومقاومة لها وجودها الشعبي، لكنها تقرأ بقلق الحالة الإقليمية من زاوية الترتيب الاستراتيجي المزمع للمنطقة، وترى نفسها مستهدفة بالضغط الغربي حتى أكثر من دمشق. لدمشق ملء الحق، من وجهة نظرها طبعاً، بالدفاع عن نظامها بشتى الوسائل المتاحة، بما في ذلك تدمير لبنان على رؤوس ساكنيه عن طريق إشاعة الفوضى سياسياً وأمنياً فيه ... إذا كان هذا الخيار سيربك القوى الغربية الساعية إلى الهيمنة الإقليمية. والحقيقة التي لا يجوز إنكارها أن مناعة الكيان اللبناني كانت وما زالت وستظل معدومة إذا استمرت النظرة إليه ـ داخلياً وخارجياً ـ على أنه كيان «دخيل» على جيرانه العرب، مع أن العرب أنفسهم متعجلون جداً هذه الأيام على خلع ما باتوا يرونها «هوية ـ تهمة» يأنفون منها.

إن من يفهم كيمياء «الكيانية اللبنانية» يفهم كيف يفكّر بعض المغامرين من رافضي هوية لبنان العربية، غير أن الصورة أضحت في الفترة الأخيرة مرتبكة إلى درجة خطيرة عندما انقلبت المقاييس وتبدّلت الأدوار. ولقد أسهمت أخطاء الممارسة السورية في بناء كتلة كبيرة من المنافقين الذين يتشدقون بـ«الأخوة العربية» لكنهم في صميمهم أكبر المحرضين ضدها والمتآمرين عليها. وخلال السنوات الأخيرة صارت هذه الكتلة هي البوق المسبّح لفظاً بفضائل «وحدة المسارين» والصمود والتصدي ... مورّطة النظام السوري في أسوأ العداوات الداخلية في لبنان، في حين قرّر «الحرس الجديد» الممسك بالملف اللبناني في دمشق أن القوى المناضلة التي وقفت مع سورية إبان فترة 17 مايو (أيار) 1982 السوداء ... هي العدو اللدود المطلوب استئصاله. وهكذا ضعفت الذاكرة وغيبت الحقائق فسهل الانزلاق نحو المحظور.

إلا أن الخطأ الأكبر الذي ارتكبته دمشق هو سوء تقديرها لخطورة الموقف الأميركي منها. فحتى خلال الأسبوع الماضي استخدم الدكتور عماد مصطفى السفير في واشنطن عبارة «أجندة خفية» أميركية ضد سورية، مع أن هذه «الأجندة» كانت معلنة على الدوام ولم يفارق اسم سورية قائمة الخارجية الأميركية لـ«الدول الداعمة للإرهاب» مرة واحدة منذ أدخل إليها. وإذا عطفنا هذا الواقع على استخفاف الوزير فاروق الشرع بالقرار 1559 يظهر كم كان خطيراً سوء قراءة دمشق سياسات «المحافظين الجدد»، وبخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001.

في المقابل، للقوى اللبنانية المقاومة التي تستهدفها واشنطن في عهد «محافظيها الجدد» أيضاً مبرّرات وجيهة للشك بنيات «الحرص» الدولي المفاجئ على لبنان. ولديها أيضاً مبررات وجيهة للتخوف من المناخ الإقليمي ببعده الطائفي، وهو مناخ ساء كثيراً نتيجة تداعيات الوضع العراقي وامتداداته. كذلك لا يجوز التخفيف من انعكاسات العداء الغربي المفتوح ضد إيران والمقاومة الفلسطينية المسلحة على التفكير السياسي لهذه القوى التي لا يفصل بينها وبين آلة الحرب الإسرائيلية سوى «خط أزرق» دولي مشكوك بمنعته وصحته. وبناء على كل ما سبق للقوى المقاومة كل الحق في الشك بنيات خصوم دمشق ضمن المجتمع الدولي. غير أن ما لا يحق لهذه القوى فعله التبني المطلق حتى للممارسات الخاطئة أو الإيحاء لـ«الشوارع» غير الشيعية في لبنان بأن ثمة طائفة رئيسية في البلاد مستعدة للعب دور «طابور خامس»، كما يرى البعض أو يحلم بأن يراه.

إن حصانة المقاومة ومنعة الطائفة الشيعية في لبنان لا تتحققان بـ«الفيتو» المتكرر، وحتماً لن تصانا بالتحالفات التكتيكية مع من يفاخر صغارهم حتى الساعة بأنهم كانوا وراء «قانون محاسبة سورية» ووراء القرار 1559 ويتباهون بعدائهم لسورية في «مؤتمر انطلياس» الذي رفض بعض خطبائه علناً «اتفاق الطائف». أخيراً ماذا عن خصوم دمشق اللبنانيين... القدامى والجدد؟ لهؤلاء أيضاً الحق في الشك بصدقية نظام أثبت على الأقل خلال السنوات الخمس الأخيرة أنه لا يريد حلفاء في لبنان بل يفضل التعاطي مع «المتعاملين» ولا نقول العملاء. ومع ضرورة التمييز بين المنطلقات الأساسية للخصوم القدامى المناوئين لدمشق بالمطلق والخصوم الجدد المناوئين لـ«الحرس الجديد» فيها، فإن مجرد تلاقي هؤلاء، كما حصل يوم 14 مارس (آذار) 2005 يشكل دليلاً ساطعاً على سوء إدارة دمشق للملف اللبناني ...بينما تشتد الهجمة الدولية على المنطقة. وبالتالي، إذا كان لهذه القوى التي انتزعت أغلبية مطلقة في الانتخابات النيابية الأخيرة ان تصر على السير في التحقيق بجريمة اغتيال الرئيس الحريري إلى خاتمته، فعليها أيضاً أن تحرص ـ من دون التفريط بغايتها الأصلية ـ على ألا تسقط في فخ تهمة أنها باتت رأس حربة التدويل والتطبيع والتقسيم. إن واشنطن والدوائر الغربية الأخرى ترى لبنان كله مجرد مربع على رقعة شطرنج «الشرق الأوسط الكبير» يجب حسم هوية الحجر الذي يشغله كجزء من خطة كسب اللعبة. ومنطقياً، اللبنانيون بمختلف طوائفهم ومشاربهم، هم وحدهم أصحاب المصلحة في منع جر بلادهم إلى شفير هاوية.

فهل تدفع اللبنانيين مجدداً إلى «التخندق» الطائفي، كما نرى اليوم، علل الانتهازية والكيدية والنفاق والعمالة ... ناهيك من «عقدة الحصار، التي برّرت على الدوام الانزلاق إلى القتال بذريعة الدفاع عن النفس؟